الجمعيات الاستيطانية تواصل السيطرة على عقارات اللاجئين الفلسطينيين في القدس الشرقية (الجزيرة)

محمد محسن وتد-القدس المحتلة

عكس قرار المحكمة العليا الإسرائيلية القاضي بإرجاء البت في تطبيق قانون "أملاك الغائبين" على عقاراتٍ وأملاكٍ في القدس الشرقية المحتلة لفلسطينيين يسكنون الضفة الغربية، الجوانب السياسية لقضية القدس ومراوغة المفاوض الإسرائيلي في هذه المرحلة لاحتواء التداعيات الدولية على توجه إسرائيل للسيطرة على العقارات والأملاك وتحويلها لسلطة "حارس أملاك الغائبين".

وامتنعت هيئة المحكمة عن البت بشكل نهائي في القضية، وطالبت الهيئات والمراكز الحقوقية الفلسطينية بتقديم ملخص لوجهة النظر القانونية بشأن شرعية الإجراء ودلالات تطبيقه، تشمل تسويات تتعلق بمكانة العقارات الفلسطينية وكيفية التعامل معها في المستقبل.

ويأتي ذلك على الرغم من المذكرة التي قدمها المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية المحامي يهودا فاينشتاين، والتي يبدي فيها موافقته المبدئية على تطبيق القانون على العقارات في القدس الشرقية.

وتلخصت سياسات دولة إسرائيل -منذ احتلال القدس عام 1967- في السيطرة على أكبر مساحة من الأراضي الفلسطينية مع أقل عدد من السكان الأصليين، ووضع اليد على آلاف العقارات.

وبسبب ممارسات ومخططات الاحتلال، لم يبقَ للفلسطينيين إلا 13% من مسطح الأراضي في القدس المحتلة، وإذا طبق قانون "أملاك الغائبين" فستتم مصادرة 60% مما بقي من أراض وعقارات في ملكية الفلسطينيين بالقدس.

بشارة: تطبيق "قانون الغائبين" في القدس غير دستوري لمناقضته حتى للقانون الإسرائيلي  (الجزيرة)

مذكرة طعن
وأحرَج طاقم المحامين من المركز الحقوقي "عدالة" هيئة المحكمة، بعد أن قدم المحاميان سهاد بشارة وأفيغدور فيلدمان مذكرة تطعن في شرعية تطبيق قانون "أملاك الغائبين" الذي شرع عام 1950 في سياق تاريخي للنكبة، وسياق "قانوني" لمصادرة عقارات اللاجئين.

واعتبروا تطبيق القانون في القدس المحتلة إجراءً غير دستوري لمناقضته حتى للقانون الإسرائيلي، وكذلك للقانون الدولي الإنساني الذي يوفر الحماية للفلسطينيين وعقاراتهم في القدس المحتلة، ويمنع تغيير وضعيتهم القضائية والقانونية حتى إن تم ضمهم إلى إسرائيل، التي تسعى -بشكل يتنافى مع المواثيق الدولية- لتحويل الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى "غائبين".

وتساءلت المحامية سهاد بشارة: ماذا يعني تطبيق القانون على الفلسطينيين في القدس المحتلة؟ مؤكدة أن القضية قضية سياسية بامتياز، وذلك عندما يطبق القانون على أملاك وعقارات الفلسطينيين من سكان الضفة الغربية الموجودة في القدس باعتبارها منطقة محتلة بحسب القانون الدولي، دون تطبيقه على عقارات وأملاك اليهود بإسرائيل رغم أنهم يسكنون في المستوطنات بالضفة.

واستعرضت المحامية بشارة -في حديث للجزيرة نت- الفرضيات القضائية، وطرحت العديد من التساؤلات في حال أُصدِرت أي قرارات في المستقبل، فهل مثلا إذا جُمّد القانون وألغي سريان مفعوله سيكون له أثر رجعي إلى عام 1967؟ وبالتالي إلزام إسرائيل بإعادة جميع العقارات المصادرة لأصحابها الشرعيين، أم إن قرار تجميده وإبطال العمل به سيتطرق فقط للمستقبل؟

وأضافت: ماذا لو تقررت المصادقة على المذكرة التي قدمها المستشار القضائي بجواز سريان مفعول القانون؟ وما الموقف الذي يعتبر الأول من نوعه منذ احتلال المدينة عام 1967، ويتناقض حتى مع مواقف سابقة للمستشارين القضائيين في إسرائيل الذين أوضحوا أنه لا يمكن تطبيق القانون في القدس الشرقية.

تصفية سياسية
ومن جهته، حذر مدير دائرة الخرائط ونظم المعلومات في مركز الدراسات العربية الدكتور خليل التفكجي من تداعيات سريان مفعول قانون "أملاك الغائبين" في القدس المحتلة على مجمل القضية الفلسطينية ومختلف أبعادها السياسية.

التفكجي: عزم حكومة الاحتلال على تطبيق "قانون الغائبين" تطهير عرقي للمقدسيين (الجزيرة)

واعتبر عزم حكومة الاحتلال على تطبيقه بشكل جارف تطهيرا عرقيا للمقدسيين، وسلبا لآخر ما بقي للفلسطينيين من عقارات وأملاك، وبالتالي فهو تصفية نهائية لملف القدس من أجندة أي مفاوضات أو أي تسوية سياسية مستقبلية.

ورجح الدكتور التفكجي -في حديث للجزيرة نت- وجود دوافع واعتبارات سياسية وراء امتناع المحكمة العليا الإسرائيلية عن البت في الملف ومواصلة التداول مستقبلا في جوهر قانون "أملاك الغائبين" وتطبيقه وإمكانية سريان مفعوله في القدس المحتلة.

وأكد أن تل أبيب تخشى الآن من إثارة المجتمع الدولي وتأليب مواقف الاتحاد الأوروبي عليها عقب قراره مقاطعة المؤسسات الإسرائيلية العاملة في المستوطنات، وعليه فقد أرجأت المحكمة العليا تطبيق القانون منعا لاتهام إسرائيل بنسف المفاوضات مع الجانب الفلسطيني، وتجنب إثارة غضب واحتجاج الإدارة الأميركية المنشغلة حاليا بالملف السوري.

ويعتقد التفكجي أن المحكمة العليا ستعود -حين تسنح لها الظروف الإقليمية والدولية- للتداول في الملف وحسمه بما ينسجم مع الرؤى السياسية للحكومة الإسرائيلية، والتي عبر عنها المستشار القضائي للحكومة يهودا فاينشتاين بالشروع في تطبيق قانون "أملاك الغائبين" على عقارات الفلسطينيين من سكان الضفة الغربية وأملاكهم الموجودة في القدس الشرقية المحتلة.

ولفت إلى أن إسرائيل وظفت رزمة من القوانين لتوسيع مسطح القدس والسيطرة على العقارات والأراضي الفلسطينية، وتهجير أكبر نسبة من السكان الأصليين، حيث شرعت فور احتلال المدينة عام 1967 في توسيع حدود ونفوذ بلدية الاحتلال بضم الأراضي، ليصل مسطحها اليوم إلى 72 كيلومترا بعد أن كان نحو سبعة كيلومترات.

وقد تم إدخال أراضي 28 قرية ومدينة فلسطينية وعقاراتها ضمن مسطح بلدية الاحتلال وسيطرة إسرائيل، مقابل عزل وإخراج سكان هذه القرى والمدن وحرمانهم من الحصول على هوية القدس، وبالتالي اعتبارهم غرباء دون أي مكانة قانونية.

المصدر : الجزيرة