مظاهرة أمام المحكمة تطالب بإعادة الحقوق كاملة لضحايا الإنقلاب (الجزيرة نت)

وسيمة بن صالح-الجزيرة نت 

وجد أكثر من مائة ضابط تركي مطلع الشهر الجاري أنفسهم يدلون بشهاداتهم أمام محكمة العقوبات عن دورهم في الإطاحة بأول حكومة إسلامية في البلاد بعد حملة اعتقالات واسعة جرت في أبريل/نيسان من العام الماضي. 

وكان الجيش التركي الذي ينصب نفسه حاميا لمبادئ العلمانية أجبر عام 1997 حكومة نجم الدين أربكان الإسلامية على الاستقالة، بدعم من مجلس الأمن القومي الذي يهيمن عليه الجيش. 

وبدأ الجيش بعدها بتطبيق ما يعرف بـ"قرارات 28 فبراير" التي كافحت المظاهر الإسلامية وقيدت الحياة الدينية وزجت بكل من يعارضونها في السجون بتهمة العمل على المس بالهوية العلمانية للبلد وتغيير نظامه. 

وأكد مشير دليدومان -محامي الضحايا الذين رفعوا الدعوة ضد من وصفهم بالانقلابين- أنهم قدموا الادعاء وفقا لما تنص عليه مواد كل من قانون العقوبات وقانون مكافحة الإرهاب التركي. 

وفي حديث له مع الجزيرة نت، أفاد بأن تطور القضية ووصولها لقاعة المحاكم يعود لما وصفه بـ"لنضال الجاد والمتواصل لضحايا الانقلاب" بدعم من عدد من منظمات المجتمع المدني التركية، التي تابعت الضغط على الحكومة التركية للوصول إلى هذه النتيجة، حسب ما قال. 

وتابع أن الضحايا بذلوا جهدا كبيرا في التمسك باستعادة حقوقهم ومحاكمة الانقلابيين، "فنظموا حملات لجمع مئات الآلاف من التواقيع لدعم قضيتهم، والقيام بالعديد من المؤتمرات الصحفية لسرد معاناتهم". 

وأشار إلى أن العديد من المتقدمين بالشكاوى أكثرهم زج بهم في السجن بشكل تعسفي بتهمة الانتماء لمنظمات إسلامية متطرفة تسعى لتقويض مبادئ العلمانية بتركيا وتغيير نظام الحكم فيها. وأكد أن تعرضهم للتعذيب موثق بتقارير طبية. 

دليدومان: نضال ضحايا الانقلاب أوصل القضية إلى المحاكم (الجزيرة نت)

تعذيب
ولا ينسى يعقوب كوسي (30 عاما) ما يصفه بالظلم والتعذيب الذي تعرض له خلال السنوات العشر التي قضاها في السجن، بعد أن تم اعتقاله بتهمة محاولة تغيير النظام العلماني للدولة. 

وحسب كوسي، فإن هذه المحاكمة هي "محاكمة لكل من دعم القوى الانقلابية بتركيا عام 1997 من القوى الغربية وخاصة إسرائيل" وأفاد بأن محاكمة "شركاء" تلك القوى الأتراك هي أيضا بمثابة محاكمتهم جميعا. 

وعند سؤاله عن ما إذا كانت هذه المحاكمة هي قصاص عادل لما عايشوه أجاب "مهما افترضنا أن القضاة في هذه المحاكمة سيقفون في صفنا ضد هؤلاء الانقلابيين، فلن يكون هذا التصرف نقطة في بحر المرارة التي أذاقونا إياها". 

وقد رفض محامو المتهمين على ذمة القضية التحدث للجزيرة نت عن الموضوع. لكن خبرا نشرته وكالة الأناضول التركية، أشار إلى أنهم قدموا العديد من الاعتراضات منها رفضهم لمحاكمة عسكريين أمام محكمة مدنية، ووجود قاض ضمن هيئة المحاكمة سبق وكان عضوا في لجنة التحقيق مع المتهمين قبل المحاكمة، ووجود قرار سابق من قبل محكمة أخرى رفضت النظر في دعاوى رفعت ضد نفس المتهمين في نفس القضية، لكن المحكمة بأنقرة لم ترد على هذه الاعتراضات. 

وأكد مدع عام في محكمة الاستئناف العليا بأنقرة -فضل عدم الإشارة لاسمه لأسباب مهنية- للجزيرة نت، أن عاملين أساسين ساهما في تحقيق هذه المحاكمة وهما "تغير القوى السياسية والذهنية الحاكمة بتركيا، وحزمة التغييرات الدستورية التي صوت عليها الشعب التركي عام 2010".

كوسي تم اعتقاله بتهمة تغيير النظام العلماني للدولة (الجزيرة نت)

كلمة الشعب
وتابع شارحا بأن حكومة العدالة والتنمية أثبتت صمودها ضد مخططات الانقلابات العسكرية، مشيرا إلى أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان نجح في الحصول على 58% من أصوات المشاركين في استفتاء لصالح التغييرات التي اقترحتها حكومته على الدستور أهمها إجراء تغييرات في الهيئة العليا للقضاة وممثلي الادعاء، والبند الذي يجعل من الممكن محاسبة الجيش أمام المحاكم المدنية.

وعزا هذا إلى أن الشعب التركي "دائما يقول كلمته الأخيرة عبر صناديق الاقتراع".

كما أشار إلى أن الهيئة العليا للقضاة وممثلي الادعاء التابعة للدولة والمكلفة بتعيين القضاة قبل هذه التغييرات، كان أعضاؤها دائما من ذوي الاتجاه العلماني المتشدد أو المتعاطفين مع اليسار.

وأضاف أنه بسبب هذه الذهنيات، كان مصير كل مدع عام تسول له نفسه فتح دعوى ضد المؤسسة العسكرية في السابق "عزله من منصبه أو الضغط عليه حتى يتنازل عنها".

وأكد أنه مهما كانت نتائج المحكمة فإنها عبرة لذوي الفكر الانقلابي "لأنهم باتوا يعرفون أنه عاجلا أم آجلا سيجدون أنفسهم يواجهون القضاء".

يشار إلى أن المحاكمة لا تزال مستمرة، وقد وردت فيها أسماء 103 ضباط، أغلبهم جنرالات في الخدمة أو متقاعدون أهمهم رئيس الأركان السابق الجنرال تشيتين دوغان، الذي يقضي عقوبه عشرين سنة على خلفية ما يعرف بقضية "المطرقة".

وكان محامي الضحايا قدم طلبا للمحكمة يطالبها بمثول رئيس تركيا السابق سليمان ديميرل أمامها، بصفته المتهم الأول في عملية الانقلاب.

المصدر : الجزيرة