عائلة شلايسنر تبحث عن مفر من غلاء المعيشة وعن مصدر دخل بشروط ملائمة (الجزيرة)

وديع عواودة-حيفا

تفيد معطيات رسمية في إسرائيل بأن ظاهرة هجرة العقول للخارج تتسع رغم المحاولات لمكافحتها، حيث كشفت دراسة لوزارة الصحة الإسرائيلية أن هناك خمسة آلاف أكاديمي وباحث إسرائيلي يقيمون في دول العالم بحثا عن شروط عمل وإقامة أفضل وأكثر راحة.

وتظهر الدراسة أن ثلث حاملي شهادات الدكتوراه في إسرائيل يجدون عملا في مجال الأبحاث داخل جامعاتها، فيما يضطر الباقون للبحث عن عمل خارج البلاد أو لتغيير مهنهم.

ويُستدل من الدراسة أن نحو 50% فقط من حملة اللقب الجامعي الثالث في مجال علوم الأحياء، والفيزياء، والإحصاء، والطب والزراعة والعلوم الاجتماعية يعملون في البحث العلمي.

كما توضح الدراسة أن معظم العقول المهاجرة تقيم في الولايات المتحدة الأميركية، فيما يتصدر خبراء الحاسوب والتكنولوجيات الحديثة قائمة الباحثين الذين هاجروا بدوافع اقتصادية.

ويقول الباحث المختص في العلاجات الطبيعية إيلان شلايسنر (40 عاما)، إنه لا يشكو من الحالة الأمنية في إسرائيل، لكنه منزعج من تحولها (إسرائيل)، لدولة احتلال عنصرية تزعجه جدا، لافتا إلى أن تفكيره وزوجته بالهجرة ينم عن اعتبارات اقتصادية بالأساس.

تفكير بالمستقبل
بالمقابل يشكو شلايسنر -وهو من تل أبيب- من الغلاء الفاحش في إسرائيل لافتا للحالة المعيشية القاسية رغم أنه يعمل وزوجته الممرضة، ويتابع "بدأت أفكر بمستقبل الطفلتين أيضا".

ويروي للجزيرة نت أنه يوشك على الهجرة مع طفلتيه وزوجته الروسية الأصل لكنه متردد بين السفر لبريطانيا أو لألمانيا.

ولا يستغرب النسبة العالية المذكورة ويكشف أن أخيه الأكاديمي يعمل في صناعات التكنلوجيا الحديثة، لافتا أنه يتقاضى راتبا جيدا لكنه لا ينجح بامتلاك شقة.

ثلث حاملي شهادات الدكتوراه في إسرائيل يجدون عملا في مجال الأبحاث داخل جامعاتها، فيما يضطر الباقون للبحث عن عمل خارج البلاد أو لتغيير مهنهم

وتتطابق هذه الحالة أيضا مع حالة الدكتور يعقوب كارلين (45 عاما) -وهو مهاجر قدم من روسيا، وأب لطفلتين- الذي يجد نفسه منذ أربعة شهور عاطلا عن العمل.

ويوضح كارلين -وهو باحث مختص في مجال العلاقة بين الوقاية والتطعيم وبين أمراض السرطان- للجزيرة نت أن منحة البحث التي تلقاها قد انتهت شاكيا من إهمال الباحثين أمثاله الذين باتت حالتهم أسوأ من حالة عاملي البناء.

ويتابع "تلقيت عرضا مهينا بالعمل مقابل 1500 دولار في الشهر مقابل عرضين سخيين من خارج البلاد وأنا مضطر للرحيل"، معتبرا أن الحملات الإسرائيلية الرسمية التي تعمل منذ سنوات لاستعادة العقول المهاجرة ليست سوى علاقات عامة كاذبة تتم من باب رفع العتب.

جهد منقوص
من جهته يرى وزير العلوم الإسرائيلي يعقوب بيري، أن إسرائيل لا تبذل "جهدا كافيا" بهذا المضمار، منبها إلى أن استمرار هذه الحالة يعني تفاقم هجرة العقول وتدهور البحث العلمي الحيوي لاقتصادها ومستقبلها.

ويكشف بيري في حديث للقناة الإسرائيلية العاشرة، أن الكثير من حملة الدكتوراه يستكملون دراستهم خارج البلاد لكنهم لا يجدون فيها عملا يلائمهم. ويحذر بيري من اتساع ظاهرة هروب العقول ويدعو الحكومة لدعم المرافق البحثية داخل الجامعات الإسرائيلية الست بهدف استيعاب الباحثين المتميزين ومنع هجرتهم.

كما يرى الوزير أن جزءا من الحل يكمن في القطاع الخاص ويدعوه للمشاركة في تشغيلهم من خلال ضمان دعم حكومي لمعاهد البحث ولمرافق صناعية متطورة.

وتدلل تصريحات ومعطيات وزارة العلوم على فشل حملة واسعة أطلقتها إسرائيل في 2008 لاستعادة "العقول المهاجرة من العالم إليها بواسطة خطة تقوم على توفير فرص عمل بشروط مغرية".

ماجد الحاج: الكثير من هؤلاء قدموا للبلاد بدوافع اقتصادية لا صهيونية (الجزيرة)

وقد شاركت حينها وزارة العلوم مع صندوق "روتشيلد الصهيونية"، عملية البحث عن هؤلاء من خلال النشر في وسائل الإعلام، والشبكات الاجتماعية وفي الجامعات.

يشار أن مؤتمر هرتزليا الأمني الأخير مطلع العام قد كشف عن وجود نحو 700 ألف إسرائيلي يقيمون في الغرب بحثا عن مستوى معيشة أفضل.

ميل للهجرة
وبحسب استطلاعات "مؤتمر هرتزليا" فقد أكد 22% من الإسرائيليين ميلهم للهجرة نتيجة الوضع الاقتصادي والأمني المتدهور والفساد والبحث عن حياة أفضل من ناحية العمل والتعليم على المستوى الشخصي خاصة لدى قطاعات اليسار.

كما كشف عن أن 24% من أصحاب الثقافة الجامعية يفكرون بالهجرة وعن أن واحدا من بين أربعة أغنياء يفكرون بذلك أيضا وأن العلمانيين يميلون أكثر من المتدينين للهجرة.

ولا يستغرب الباحث المختص بالعلوم الاجتماعية في جامعة حيفا البروفيسور ماجد الحاج تفاقم ظاهرة هجرة العقول من إسرائيل، موضحا للجزيرة نت أن قسما من هذه العقول المهاجرة جاءت أصلا للبلاد من الاتحاد السوفياتي سابقا كمهاجرين باحثين عن العمل لا قادمين جددا تحركهم دوافع صهيونية.

كما يشير الحاج إلى أنه لا يستغرب أيضا وجود هجرة سلبية بنسبة عالية نتيجة إهمال إسرائيل الخدمات الاجتماعية وتقليص ميزانيات التعليم وغلاء المعيشة بعدما توقفت عن كونها دولة رفاه.

ويتابع "إسرائيل  في عام 2013 باتت مغايرة وأقل تكافلا في ظل اتساع الفجوات الاجتماعية ورسوخ اقتصاد راس المال، وأكثر جريمة وفسادا وهذا يشجع على الهجرة خاصة لدى الأكاديميين".

المصدر : الجزيرة