منطقة المنكوبين ترتفع فيها صور أبنائها الذين قتلوا في سوريا وفي مواجهات مع جبل محسن (الجزيرة نت)

محمد العربي سلحاني-طرابلس

إلى عهد قريب كانت "منطقة المنكوبين" الواقعة على أطراف مدينة البداوي شمال طرابلس اللبنانية طي النسيان، إلا أن اسمها قفز إلى واجهة الأحداث بعد حادثة ما يعرف بمجموعة تلكلخ التي قتل فيها عدد من أبناء المنطقة في كمين للجيش السوري ببلدة تلكلخ على الحدود اللبنانية السورية في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي.

الجزيرة نت جالت في المنطقة لرصد حالها وحال أهاليها، فكان أول ما لفت الانتباه الرايات الإسلامية والشعارات التي ترتفع في كل اتجاه وصور أبنائها الذين سقطوا في كمين للجيش السوري في تلكلخ في سوريا أو أولئك الذين قضوا في مواجهات مع جبل محسن، فضلا عن الموقوفين بسجن الرومية.

بمنطقة المنكوبين حيث تنعدم معالم الحياة، تتشابه قصص الأهالي عن الفقر والتهميش والمواجهات المسلحة مع جارتها منطقة جبل محسن ذات الغالبية العلوية.

فمظاهر البؤس والتهميش والفقر لا تخطئها العين، والمنطقة ببساطة تفتقر للبنى التحتية كما تفتقر للمرافق الصحية ومياه الشرب.

أم مصطفى: منذ 40 عاما لم نذق في المنطقة سوى البؤس والشقاء (الجزيرة نت)

حرمان
أنشئت المنطقة عام 1957 في أعقاب فيضانات نهر أبو علي في طرابلس لتكون ملاذا مؤقتا للنازحين والمنكوبين إلى حين عودتهم إلى بيوتهم التي جرفتها السيول، لكن المنطقة شهدت موجة نزوح لسكان الأرياف الذي استوطنوا المكان حتى يومنا هذا.

ينحدر غالبية سكان منطقة المنكوبين من قرى وبلدات عكار والضنية والمنية، الذين جاؤوا إلى طرابلس هربا من الفقر للبحث عن ظروف معيشية أفضل.

تقول أم مصطفى إنها استقرت هنا منذ أربعين سنة لم تذق فيها هي وأبناؤها سوى البؤس والشقاء، وتضيف "المسؤولون لا يلتفتون إلينا، أما السياسيون فلا نراهم إلا أيام الانتخابات، ونحن لا نتبع إداريا إلى أي بلدية".

وبكلمات يملؤها كثير من الحسرة تتابع "لا توجد هنا مدرسة ولا مستوصف ولا حتى المياه الصالحة للشرب"، ويضطر أهالي المنطقة إلى شراء مياه الشرب وأحيانا يقطعون مسافة طويلة لجلبها.

جهاد ديب: شباب المنطقة يخوضون حربا بالوكالة في سوريا عن الطائفة السنية (الجزيرة نت)

وقود حرب
وتلمس في منطقة المنكوبين شعورا طاغيا لدى أبنائها بانتمائهم الإسلامي، كما تتسم كلمة "الجهاد" بكثير من القدسية في أوساط شباب المنطقة.

وقد ارتبط اسم منطقة المنكوبين دوما بالإشكالات الأمنية والمواجهات المسلحة مع منطقة جبل محسن التي تقاسمها الفقر والموت والجغرافيا.

لكن اسمها صار يقترن أكثر بالقتال الدائر في سوريا، حيث يقاتل أبناء المنطقة إلى جانب المعارضة المسلحة.

وهناك عبارة يرددها الجميع هنا، "أولادنا ذهبوا لنصرة إخوانهم في سوريا، وإذا كان لا بد، فنحن مستعدون لإرسال المزيد، لأن النظام السوري يقتل أهلنا المسلمين. وهو مدعوم من دول كبرى. وأخيراً من حزب الله".

ويرى الصحفي عمر إبراهيم أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية هي أحد أسباب لجوء شباب المنطقة إلى حمل السلاح، لكنه يقر بالمقابل بتأثير التيار الديني عليهم.

أخضر أحمد الغول: لقد رحل ابني وهو في زهرة شبابه. ماذا نفعل؟ إنه قدر الله (الجزيرة نت)

استغلال
بدوره يقول جهاد ديب الحاصل على شهادة محاماة لكنه دون عمل، إن شباب المنطقة يخوضون حربا بالوكالة عن الطائفة السنية.

وإن كان جهاد يفاخر بانتمائه الإسلامي إلا أنه يعتقد أن "شباب المنطقة يتعرضون للاستغلال بسبب ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية المزرية".

ويقول إن "نسبة البطالة هنا أكثر من 90% مع أن أغلبية الشباب حاصلين على دبلومات وشهادات جامعية".

ويشير جهاد إلى أن شقيقه مالك الطالب الجامعي قتل ضمن مجموعة تلكلخ، مشيرا إلى أنه لم يسمع منه أي رغبة بالذهاب إلى سوريا لمناصرة المعارضة.

وكان حسان سرور أحد الناجين من كمين تلكلخ اتهم مؤسس التيار السلفي في لبنان داعي الإسلام الشهال بتمويل المجموعة وتدريبها بمنطقة المنكوبين.

من جانبه يروي أخضر أحمد الغول بحرقة مقتل ابنه بلال ضمن مجموعة تلكلخ، قائلا "لقد رحل وهو في زهرة شبابه. ماذا نفعل؟ إنه قدر الله. ابني الثاني عاطل عن العمل، وهو حاصل على دبلوم في المحاسبة، أخشى أن ينتهي به المطاف مثل شقيقه".

وباتت سوريا وجهة كثيرا من أبناء المنكوبين، وقد وردت أنباء الجمعة عن مقتل شقيقين من المنطقة بهجمات في سوريا.

المصدر : الجزيرة