منير الجالودي

ليس ضروريا أن يكون عزم بعض الدول العظمى توجيه ضربة عسكرية لسوريا خبرا سيئا للنظام السوري، فمثل هذه الضربة بالتكييف الذي وصفت به وأنها ستكون محدودة وسريعة ولن تغير موازين القوى في البلاد قد تكون مدعاة للغبطة والسرور من طرف الرئيس السوري بشار الأسد.

فقد حسم الرئيس الأميركي باراك أوباما كل شك في طبيعة هذه الضربة عندما أكد أنها ستكون "محدودة ولا تهدف لتغيير موازين القوة بين بشار ومعارضيه"، وأنها تأتي أساسا ردا على استخدام السلاح الكيميائي ضد شعبه على نطاق واسع. وهو ما فُسر لدى كثير من المراقبين على أنه تحرك شكلي يهدف لذر الرماد في العيون ورفع الحرج الذي وقعت فيه واشنطن.

ضجة ليست بريئة
ويشعر المتابع للضجة المصاحبة لأخبار الضربة أن فيها من الطحن أكثر مما فيها من الطحين، وفيها من الصخب والجعجعة أكثر مما فيها من الجوهر والمضمون، وبلغ الأمر أن الأنباء تحدثت عن مواعيد الضربة ومدتها والأسلحة المستخدمة فيها، حتى تندّر أحد المعلقين في صحيفة واشنطن بوست قائلا إنه لم يبق إلا أن يحددوا لحظة بداية الضربة حتى لا يفسدوا أي حفل عشاء يقام في دمشق.

وإذا كان الخبير العسكري العميد المتقاعد صفوت الزيات يرى أن أي ضربة أميركية ينبغي أن تكون موجعة ومؤثرة وإلا فقدت الولايات المتحدة هيبتها وكبرياءها، فإن شواهد كثيرة باتت تؤكد أن الضربة المتوقعة لن تكون إلا بمثابة "فركة أذن" ليس إلا. وقد تحدثت الأنباء عن زيارات لمسؤولين ومبعوثين إلى إيران وروسيا قال المراقبون إن من أهدافها توصيل رسالة بأن الضربة القادمة لن تؤثر في وضع النظام السوري القائم، ومن ثم فإنهم ينصحون الأسد بتمريرها دون رد حتى لا يطول أمدها ويتسع مداها.

الأسد في أول زيارة له خارج العاصمة إلى داريا التي كانت معقلا للثوار (الفرنسية)

أنباء سارة
ولكن إشارات صدرت من هنا وهناك باتت تتحدث عن أنباء سارة للنظام السوري تتعلق بالضربة، من ذلك أن هذه الضربة ما دامت لن تكسره أو تقصم ظهره فإنها ستقويه كما يقول المثل. بل إن مراقبين يجزمون أن ضربة بهذا التكييف ستزيده وحشية لأنها تقول له بصريح العبارة: اقتل واقصف ودمر ولكن بأسلحة تقليدية.

وهناك أمر آخر لا يخفى على العين البصيرة، ذلك أن عملية عسكرية من هذا النوع ستعطي مصداقية لاتهامات النظام السوري التي تتحدث عن "مؤامرة كونية تقف خلفها أميركا وإسرائيل وقوى الغرب الاستعماري لضرب محور الممانعة" الذي تقف سوريا في القلب منه. وسيجد النظام سمّاعين لهذا الادعاء يتزايد عددهم وتنتشر رقعتهم إذا وقعت الضربة.

لكن الأخطر من ذلك كله أن تمهد هذه الضربة لتسوية سياسية أقصى ما ترجوه خروج الرئيس الأسد من المعادلة وبقاء نظامه سليما معافى. وقد غدت مؤشرات ذلك بادية للعيان خاصة في ظل التراجع الذي تشهده ثورات الربيع العربي وعودة الشارع العربي لوضعية المفعول بعد أن رفعته الثورات لوضعية الفاعل.

المصدر : الجزيرة