معظم أراضي الأغوار مناطق إطلاق نار يحظر دخولها (الجزيرة)

عاطف دغلس-الأغوار

يجتهد الطفل الفلسطيني محمد قدري عليان، وهو من منطقة الأغوار الشمالية، دون ملل في حراسة أبقاره ومنعها من الاقتراب للشارع الرئيسي في قريته عين الحلوة الذي يسلكه، إضافة إلى السكان الفلسطينيين، جيش الاحتلال ومستوطنوه.

وما يزيد حرص الفتى (13 عاما) أن عواقب وخيمة تترتب عليه وعلى عائلته وحتى مواشيه إذا ما رصدت سلطات الاحتلال الإسرائيلي "هذه المخالفة" وفق المفهوم الإسرائيلي، ومنها مصادرة أبقاره أو اعتقاله أو تغريمه ماليا وأحيانا كلها مجتمعة.

وتهدف إسرائيل من إجراءاتها بحق السكان الفلسطينيين في منطقة الأغوار إلى الضغط على الأهالي لتهجيرهم من أملاكهم، وإفساح المجال لمزيد من التوسع الاستيطاني.

ومحمد ليس الوحيد الذي يتوجب عليه الحذر باستمرار ومراقبة مواشيه في مناطق بعيدة عن الاحتلال ومستوطنيه، فهناك عادل عليان (49 عاما) وآخرون من أقاربه يتحملون حر الشمس لحماية أنفسهم ومواشيهم وتجنب عقوبات الاحتلال.

وتعتبر إسرائيل معظم الأراضي الرعوية مناطق عسكرية مغلقة وتحظر على الفلسطينيين استخدامها، فيما تصنف مساحات أخرى خصبة بأنها "مناطق خضراء" ومحميات طبيعية لا يحق للفلسطينيين الاقتراب منها.
عليان اعتقل وغُرم نحو 5000 دولار نتيجة "مخالفة" ارتكبتها أبقاره (الجزيرة)
 
مبالغ طائلة
قبل أقل من أسبوعين كان المواطن عادل عليان على موعد مع مزيد من الغرامات، فقد دهمت منزله قوة من شرطة الاحتلال، واقتادته مكبلا إلى مستوطنة أرئيل شمال الضفة.
 
وهناك في المستوطنة مكث عليان ليلة واحدة ثم أفرج عنه بعد دفعه كفالة مالية تعادل 400 دولار أميركي حتى موعد الجلسة القادمة للمحكمة.
 
وأثناء الاعتقال -يقول المواطن الفلسطيني- إن النيابة الإسرائيلية عادت به إلى ما قبل عام حين دفع غرامة مقدارها نحو 5000 دولار لتحرير 120 رأسا من أبقاره صادرتها سلطات الاحتلال من المرعى، موضحا أن النيابة سعت لأخذ إقرار منه بارتكاب أبقاره "مخالفة"، وهي اجتياز شارع البلدة، وهو ما يعني مزيدا من الإجراءات العقابية بحقه.
 
ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن سلطات الاحتلال أرادت اعتبار الغرامة السابقة إقرارا منه بالذنب، وبالتالي تحمل المسؤولية، لكنه رد على النيابة بأنه دفع الغرامة شفقة على الأبقار التي كان يراها تموت من شدة العطش والجوع في ظروف احتجاز تفتقر للرعاية والغذاء والماء.

بدوره يعاني قدري عليان (47 عاما) نتيجة إجراءات الاحتلال، موضحا أنه فقد هو الآخر ما هو أهم من المواشي والأبقار، حيث انفجر لغم أرضي بنجله الأكبر قبل عدة سنوات بينما كان يرعى دوابه في منطقة تنتشر فيها الألغام الأرضية ومخلفات الجيش الإسرائيلي. 

وإضافة إلى العبء الناتج عن الاحتلال وملاحقاته، يؤكد قدري أن العائلات بالأغوار تتكبد سنويا مبالغ طائلة لشراء الأعلاف -نظرا لقيود الاحتلال وإجراءاته- تزيد على 25 ألف دولار.
 
وحدات خاصة
وتتم مصادرة المواشي عادة في الأغوار عبر مهاجمتها من وحدات إسرائيلية خاصة تعرف بالخيالة، حيث تقوم بتجميعها بمنطقة معينة ومن ثم تسوقها لأحد المراكز الاستيطانية القريبة، وأحيانا تقوم بتخديرها.
 
وحدات خيالة إسرائيلية متخصصة في مصادرة الأبقار بحجج أمنية (الجزيرة)
ولا تقتصر المصادرة على المواشي، بل يصل الأمر للآليات والشاحنات التي تقدم خدماتها للأهالي، وكذلك للجرارات الزراعية وخزانات المياه.

ويقول مسؤول ملف الأغوار بمحافظة طوباس والأغوار الشمالية معتز بشارات إن إسرائيل تغرم ثلاثة مواطنين شهريا كحد أدنى، بما لا يقل عن 1500 دولار لكل واحد، لما تعدها إسرائيل مخالفات تتعلق بالمواشي والآليات والجرارات الزراعية.

وأضاف "قبل أيام صادرت سلطات الاحتلال ثلاث شاحنات كانت تساهم في تعبيد طريق في قرية بزيق الغورية، وغرّمت أصحابها ما يعادل 6000 دولار، واحتجزت الشاحنات لـ48 يوما، كما صادرت مركبة تحمل مساعدات فرنسية".

وأكد أنهم -كجهة مسؤولة- يرفضون ما تقوم به سلطات الاحتلال ويحتجون باستمراره، غير أن ادعاء الاحتلال كان أن هذه مناطق مصنفة "ج" وخاضعة لسيطرته، وأن هذه الآليات والمواشي تعتدي على "أراض إسرائيلية".

وتتعدى اعتداءات الاحتلال إجراءات المصادرة إلى هدم منازل السكان الفلسطينيين وجلها من الخيم وحرمانهم من المياه والتعليم والصحة، إضافة إلى إخطارات المصادرة للأرض وتدمير المحاصيل بسبب التدريبات العسكرية.

المصدر : الجزيرة