البرادعي تحول بعد استقالته من منصب نائب الرئيس إلى مادة جدل بين مؤيديه (الجزيرة)

أنس زكي-القاهرة


كعادته ظل رئيس حزب الدستور د. محمد البرادعي مثيرا للجدل حتى وهو يقرر الاستقالة من سلطة اختار الانضمام لها، ثم قرر الانسحاب منها اعتراضا على ما قامت به من فض عنيف لاعتصام المؤيدين للرئيس المصري المعزول محمد مرسي، مما أدى إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى.
 
ونظر الكثيرون إلى البرادعي على أنه أيقونة الثورة المصرية التي اندلعت في 25 يناير/كانون الثاني 2011 ونجحت في الإطاحة بالرئيس حسني مبارك بعد ثلاثة عقود في السلطة، ثم أصبح أحد أبرز الرموز الملهمة لمعارضي مرسي بعد وصوله إلى الحكم، وتولى منصب المنسق العام لجبهة الإنقاذ التي تصدرت المشهد المعارض لمرسي، قبل أن تسلم الراية لحملة تمرد التي دعت لرحيل مرسي وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.

وظهر البرادعي في صدارة المشهد مجددا عندما أصبح ممثل القوى المدنية في اجتماع الثالث من يوليو/تموز الماضي الذي قرر فيه وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي تعطيل الدستور وعزل مرسي، بدعوى الاستجابة لمظاهرات حاشدة خرجت ضد مرسي في نهاية يونيو/حزيران الماضي.

وبعدما اعتاد إثارة الجدل بين معارضيه، تحول البرادعي إلى مادة للجدل بين مؤيديه هذه المرة، عندما بدأ في تبني مواقف مغايرة نسبيا للسلطة الجديدة التي يرعاها الجيش، والتي شغل هو فيها منصب نائب رئيس الجمهورية المؤقت، حيث دعم بقوة مسار التفاوض والوساطة من أجل إنهاء اعتصامات مؤيدي مرسي، وعبر عن رفضه للاتجاه القوي داخل السلطة الجديدة لفض الاعتصامات بالقوة.

استقالتان
وبعد سقوط آلاف الضحايا في عملية فض الاعتصام خرج البرادعي ليعلن استقالته، متبرئا مما حدث من إراقة للدماء، ومؤكدا أنه كان يرى أنه "توجد بدائل سلمية لفض الاعتصام" وأنه لا يستطيع الاستمرار في تحمل مسؤولية قرارات لا يتفق معها ويخشى عواقبها، كما أنه لا يستطيع تحمل مسؤولية قطرة واحدة من الدماء أمام الله أو الضمير أو الوطن.

واعتبر مؤيدو مرسي أن استقالة البرادعي تقدم ضربة قوية لما يصفونه بالمعسكر الانقلابي، في حين جاءت من هذا المعسكر ردود الفعل الأعلى صوتا، حيث عكس الإعلام المحلي حملة شرسة ضد البرادعي، وصلت إلى حد اتهامه بالخيانة والعمالة، فضلا عن المطالبة بمحاكمته، وكذلك بتقديم طلب إلى لجنة جائزة نوبل لتجريده من جائزة نوبل التي حصل عليها.

 أحمد تركي استقالة البرادعي ضربة للسلطة الجديدة (الجزيرة)

وبعد أيام قليلة، جاء الدور على خالد داود المتحدث باسم جبهة الإنقاذ التي ينتمي لها كثير من وزراء الحكومة الحالية ليعلن استقالته احتجاجا على الدماء التي سالت في فض الاعتصام، وإدانة للتجاوزات الخطيرة التي قامت بها قوات الأمن في هذه العملية، ورفضا لموقف جبهة الإنقاذ، سواء في عدم إدانتها لما حدث أو لهجومها على البرادعي بسبب استقالته.

ويعتقد المحلل السياسي أحمد تركي أن استقالة البرادعي من منصبه كنائب للرئيس تمثل ضربة قاسية للسلطة الجديدة، ويؤكد للجزيرة نت أن آثارها الحقيقية ستظهر لاحقا، خصوصا على الصعيد الدولي، مرجعا ذلك إلى أن البرادعي كان يمثل الواجهة المدنية الحقيقية للانقلاب، فضلا عما يحظى به من مكانة دولية نتيجة فوزه بجائزة نوبل للسلام، ورئاسته للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وجه مدني
وأضاف تركي أن وجود البرادعي في السلطة الجديدة كان الضامن الوحيد تقريبا لتنفيذ ما وعدت به من إعادة البلاد سريعا إلى مسار الديمقراطية، سواء بالنسبة للخارج أو بالنسبة لكثير من القوى الثورية وفئات الشباب التي أيدت تدخل الجيش لسببين، أولهما عدم الرضا عن أداء مرسي في عامه الأول بالسلطة والثاني أملها في وصول قوة سياسية مدنية إلى السلطة بعد ما اعتبرته فشلا للقوى الإسلامية في التجربة الأولى بعد الثورة.

أشرف العطار: الحملة على البرادعي ستؤثر سلبا على القوى المدنية (الجزيرة)

ويختم تركي بأنه يتوقع أن تتوالى في الفترة المقبلة نتائج استقالة البرادعي، سواء في صورة تراجع بعض القوى الدولية عن دعمها لتدخل الجيش أو حتى قبولها به، أو في صورة تغيير القوى الثورية لموقفها المؤيد للجيش خصوصا وأن معظمها أيد التدخل نظرا لكون البرادعي أحد أبرز الوجوه في الخارطة السياسية الجديدة.

ولا يختلف المحلل السياسي أشرف العطار مع هذا التوقع كثيرا، لكنه يشير إلى زاوية أخرى، حيث يعتقد أن الحملة الشرسة التي تعرض لها البرادعي- ولا يزال- منذ تقدمه باستقالته ستؤثر سلبا على القوى المدنية التي كان يمثلها وخصوصا جبهة الإنقاذ، لأنها أظهرت للرأي العام أن هذه القوى تحولت مما يشبه التقديس لهذا الرجل إلى طعنه وتشويهه لمجرد عدم الرضا عن قرار اتخذه وفق ما يراه من معطيات.

وأضاف العطار للجزيرة نت أنه يرى أن الخلاف بين البرادعي وقادة السلطة الجديدة كان حتميا، بالنظر إلى ما اشتهر به البرادعي من تأييد للحرية والديمقراطية ودفاع عن حقوق الإنسان. ويعتقد أن مثل هذه الشخصية لم يكن ممكنا أن تستمر طويلا مع سلطة تبدو ميالة للإجراءات العنيفة، فضلا عن كونها جاءت عبر تدخل عسكري، حتى لو كان هذا التدخل استجابة لمطلب شعبي كما يؤكد من قاموا به.

المصدر : الجزيرة