طرقات فيالبلدة القديمة بالخليل لخدمة جيش الاحتلال (الجزيرة نت)

 محمد محسن وتد-الخليل

بدت البلدة القديمة في الخليل "مدينة أشباح" بعدما شُرّد أهلها وتبدل حالها واستوطنها الغرباء بقوة السلاح والبارود، حيث شكلت مجزرة الحرم الإبراهيمي التي نفذها الإرهابي المستوطن باروخ غولدشتاين فجر يوم 25 فبراير/شباط 1994، لحظات تاريخية ومفصلية في جوهر الصراع بين الفلسطينيين واليهود بالخليل.

تلك المجزرة كانت بداية المخطط الدموي والتطهير العرقي المتواصل للفصل والعزل وتشريد الفلسطينيين من البلدة القديمة لبناء "مدينة الخليل اليهودية".

ومنذ ذلك الحين وبعدما روت دماء 29 فلسطينيا استشهدوا في ساحات الحرم الإبراهيمي و120 آخرين جرحوا برصاص الغدر، تعطلت حياة الفلسطينيين في أزقة البلدة القديمة، فالمجزرة كانت الضوء الأخضر للاستيلاء على البلدة وتهويدها واستيطانها.

الحكومة الإسرائيلية قررت بدعم من القيادة العسكرية لجيش الاحتلال، إغلاق البلدة القديمة وشوارعها وأسواقها وتقسيم الحرم الإبراهيمي بين المسلمين واليهود.

 عقارات ومحلات تجارية أغلقتها إسرائيل
في البلدة القديمة (الجزيرة نت)

القدس والخليل
ووظفت إسرائيل "اتفاقية الخليل" المبرمة مع السلطة الفلسطينية عام 1997 من أجل تعميق الاستيطان في البلدة القديمة التي سكنها نحو 40 ألف فلسطيني، وهي المصنفة بـ "إتش2" وتقع تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية ويحتلها كذلك نحو 35 ألف مستوطن يتم توزيعهم على 27 مستوطنة وعشرات البؤر الاستيطانية والعسكرية في البلدة القديمة ومحيط محافظة الخليل التي يسكنها قرابة 500 ألف فلسطيني.

وتأطر في قلب البلدة القديمة مشهد "مدينة الخليل اليهودية" التي أخذت تتوسع كالأخطبوط، على غرار مخطط تهويد القدس الشرقية المحتلة وطمس معالمها التاريخية والآثار والحضارة الإسلامية والعربية.

وتم ذلك عبر مواصلة سياسة الفصل والإقصاء بذريعة منع الفلسطينيين من الانتقام لشهداء وجرحى مجزرة الحرم الإبراهيمي التي نفذها الإرهابي غولدشتاين الذي تُخلد ذكراه ويزار قبره في مستوطنة "كريات أربع" التي يسكنها 8000 مستوطن وتشكل شريان الاستيطان والتهويد في محافظة الخليل.

نقاط عسكرية وأبراج مراقبة
على أسطح منازل الفلسطينيين (الجزيرة نت)

موت وصمت
رائحة الموت ما زالت تفوح في أزقة البلدة القديمة التي يحتلها قرابة ألف مستوطن، فإستراتيجية جيش الاحتلال الإسرائيلي للدفاع عنهم تتمثل في توطينهم بقلب الوجود الفلسطيني في أربع مستوطنات.

وهذه المستوطنات هي بيت إبراهيم وبيت هداسا وبيت رومانو وتل رميدا، يحرسهم نحو ألف جندي من لواء "جفعاتي" وهو أحد ألوية النخبة القتالية، ويتمركزون في أربعين بؤرة عسكرية وبرج مراقبة على أسطح منازل العائلات الفلسطينية.

صمت قاتل في البلدة القديمة.. لا تسمع سوى صرخات جنود الاحتلال عبر أجهزة الاتصال واللاسلكي.. يخترق هذا الصمتَ أصوات جماعات المستوطنين بين الحين والآخر.

ولا يسمح إلا لحملة الهوية الزرقاء والجنسية الإسرائيلية بدخول البلدة، طبعا بعد تصاريح خاصة من قيادة جيش الاحتلال، أما أنت أيها الفلسطيني ابن الوطن وصاحب الأرض والمسكن، فلا يسمح لك بأي حال من الأحوال.

عفوا خانتني الذاكرة.. جيش الاحتلال يسمح فقط لسيارات جمع النفايات الفلسطينية بدخول هذه "المنطقة الأمنية" لجمع نفايات المستوطنين.

عيسى عمرو: إسرائيل أرغمت 1400 عائلة على ترك منازلها في الخليل (الجزيرة نت)

صمود ومقاومة
وبذريعة الأمن ومنع الاحتكاك وتفادي تأجيج الصراع -يقول منسق حركة "شباب ضد الاستيطان" عيسى عمرو- أغلق شارع الشهداء الذي يعتبر الشريان الرئيسي وعصب الحياة للفلسطينيين.

وبإغلاق هذا الشارع أمام حركة السير للفلسطينيين أغلق1800 محل تجاري في البلدة القديمة، المئات منها بأوامر عسكرية بذريعة أنها تؤثر على حياة المستوطنين.

كما أرغمت قرابة 1400 عائلة فلسطينية على هجر منازلها وعقاراتها بسبب ممارسات جيش الاحتلال وجرائم المستوطنين.

واستعرض عمرو في حديثه للجزيرة نت الفعاليات والمشاريع التي يتم القيام بها لتدعيم صمود من تبقى من عائلات فلسطينية بالبلدة القديمة عبر المقاومة الشعبية والرباط معهم في منازلهم، منعا لعنف الجيش وإرهاب المستوطنين الذين يحظون بدعم من جميع حكومات الاحتلال.

كما تم الشروع في صيانة المنازل والعقارات التي هجرها أهلها قسرا، وذلك منعا من وضع اليد عليها من قبل المستوطنين الذين عاثوا بها فسادا ودمارا.

عنف وإرهاب
ويعاني المواطن مفيد الشرابني -وهو أب لخمسة أطفال- من الشلل النصفي بسبب عنف الجيش والمستوطنين.

وكغيره ممن تبقى في البلدة، يعيش الشرابني حالة من الإرباك والخوف والمصير المجهول، فهو يعيش وأسرته تحت العنف والتضييق وفوهات بنادق المستوطنين، وتنقله بالبلدة منوط بعبور عشرين حاجز تفتيش عسكريا.. ليس هذا فحسب، بل إن إحضار أنبوبة غاز ومواد تموينية إلى منزله منوط بتصريح خاص من الجيش الإسرائيلي.

إسرائيل تسمح لوفود السياح
بدخول الحرم الإبراهيمي (الجزيرة نت)

وسرد الشرابني للجزيرة نت واقع الصراع والصمود في البلدة القديمة قائلا إن "جميع الأسواق في البلدة أغلقت لانعدام الجدوى التجارية والاقتصادية بعد عزل وسلخ المنطقة عن الخليل وضواحيها".

وأضاف "هذا بالإضافة إلى الهجرة القسرية للعائلات التي فقدت مصدر رزقها وأضحت رهينة عنف الجيش وسلاح حظر التجول على مدار العام الذي أشهر بوجه المواطن الفلسطيني".

ولفت إلى أن معاناة الأهالي ممتدة منذ عام 1981 حين شرع اليهود في تنفيذ مخطط مدينة الخليل اليهودية، حيث عرضوا الإغراءات المالية على الفلسطينيين لبيع عقاراتهم في البلدة القديمة وضمان الجنسية الأميركية لهم.

وأشار الشرابني إلى أنه بعد رفض الفلسطينيين، جاءت مجزرة الحرم الإبراهيمي لتنفيذ مخطط التهويد والاستيطان ليتواصل إرهاب المستوطنين الذي لا يعرف الحدود.

كما أشار إلى أن من بقي في البلدة من الفلسطينيين يعيش في معتقل سجانه المستوطن والجندي، وتنقله منوط بمرافقة فوهات البنادق وتفتيش مذل ومهين.

المصدر : الجزيرة