الاحتلال الإسرائيلي يضيق على الفلسطينيين بذريعة الأمن القومي (الجزيرة)

محمد محسن وتد-الخليل

غاب مشهد الاحتلال للأراضي الفلسطينية والعربية والسيطرة على حياة الشعب الفلسطيني وجرائم المستوطنين عن أجندة المجتمع الإسرائيلي الذي امتنع عن طرح التساؤلات وتوجيه الانتقادات، بل كان هناك شبه إجماع واتفاق على ممارسات جيش الاحتلال الإسرائيلي ودعم كامل للاستيطان والمستوطنين.

وتنشط منذ العام 2004 منظمة "كسر الصمت" التي أطلقها مجموعة من الجنود المُسّرحين من الجيش الإسرائيلي الذين قضوا خدمتهم العسكرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث توثق المنظمة من خلال إفادات لمئات الجنود حجم الانحطاط الأخلاقي للجيش المحتل وجرائم المستوطنين بحق الشعب الفلسطيني الذي حولت حياته إلى جحيم تحت ذريعة الأمن القومي.

ورافق يهودا شاؤول من منظمة "كسر الصمت" وبالتنسيق مع مركز إعلام عشرات الإعلاميين من الداخل الفلسطيني بجولة ميدانية لقضاء الخليل ركزت على البلدة القديمة والمستوطنات والبؤر العسكرية، وانطلقت من عمق التضليل الإعلامي الإسرائيلي وجهل المجتمع الإسرائيلي لحقيقة ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة وجرائم وإرهاب المستوطنين وممارسات جيش الاحتلال.

أبراج للجيش الإسرائيلي على أسطح منازل الفلسطينيين (الجزيرة)

مستباح
وقضى يهودا شاؤول -وهو جندي سابق في جيش الاحتلال الإسرائيلي- فترة وجيزة من خدمته العسكرية في الخليل ومنطقة البلدة القديمة بعد تنقله بمناطق مختلفة بالضفة الغربية، عندها تكشفت له صور وحقائق قاتمة لممارسات الجيش والمستوطنين، مشاهد لربما خاصة بالخليل فكل شيء مباح ومستباح، عندها رافقته مشاعر مختلطة سرعان ما تحولت لتأنيب ضمير عن أفعاله وممارسات الجيش بحق المدنيين الفلسطينيين.

"لا صمت بعد اليوم" يقول شاؤول بحديثه للجزيرة نت، "لقد قررنا نقل مشهد معاناة الفلسطينيين من الضفة إلى تل أبيب، لفضح عنف وجرائم المستوطنين وتنكيل جيش الاحتلال بالفلسطينيين تحت ذريعة الدفاع عن إسرائيل، تحت هذه المظلة يتم تطهير عرقي للفلسطينيين".

وسرد شاؤول لحظات كانت مفصلية وساهمت في استفاقة ضميره، في الخليل كما بكل المناطق بالضفة، "كنا نتدرب على كيفية تشويش حياة الفلسطينيين، إلى جانب وحدات القناصة وكنا نطلق نيران الراجمات والرشاشات الثقيلة على المنازل دون دقة بإصابة الأهداف، أصلا لا يوجد أهداف محددة، فكل فلسطيني عرضة لإطلاق الرصاص والقتل بدون مبرر".

وخلص بالقول: "باسم فزاعة الأمن والدفاع عن إسرائيل يسمح لك كجندي أن تنفذ كل ما يخطر ببالك لتحول حياة الفلسطيني إلى جحيم تسلبه كرامته واحترامه ويعيش مسلسلا يوميا من الذل والإهانة والتضييق، فهذه هي مهام الجيش المحتل".

تهجير سكان وتجار البلدة القديمة بالخليل (الجزيرة)

تسلية وروتين
الانخراط والخدمة في وحدات قتالية خصوصا "جفعاتي" و"ناحال" هو حلم كل شاب يهودي يخدم بالجيش الإسرائيلي، وعليه يقول الجندي نداف فايمان الناشط بمنظمة "كسر الصمت" يتم تأهيلك داخل المعسكرات لعمليات دهم وتفتيش لمنازل فلسطينيين ووضع اليد على أسطح أملاك وعقارات فلسطينيين وتحويلها لأهداف الجيش ولثكنة عسكرية دائمة وكذلك قتل "الإرهابيين".

وتابع نداف: "مهام الاقتحام والتفتيش تحولت إلى روتين قاتل ونوع من الملل وبعض الجنود تتحول لديهم هذه المهام والخدمة العسكرية بالضفة إلى نوع من التسلية أشبه بلعب فيديو يكون الجندي هو البطل، فهدف الدهم والتفتيش أولا لتشعر كجندي بنوع من الكبرياء والقوة وعرض عضلات، وثانيا ليشعر الفلسطيني بأنه مطارد ومستهدف لعيش بخوف وهلع".

ويستذكر نداف تلك المشاهد غير الإنسانية، فكثيرا ما كنت تجد نفسك بمنزل فلسطيني وسط فرقة قوامها عشرات الجنود مدججة بالسلاح وترفع البنادق بوجه النساء والأطفال، تجرهم عنوة للخارج وتحتجزهم لساعات وتعيث فسادا بأمتعتهم وتدمرها لتغادر دون أي شيء، عندها كنت أتساءل، هل هذا مفهوم الدفاع عن دولة إسرائيل؟

جنود الاحتلال يوفرون الحماية للمستوطنين بالبلدة القديمة بالخليل (الجزيرة)

فوضى وتشويش
وسرد الجندي السابق في وحدة "جولاني" ميخائيل مانكين من خلال إفادته وشهادته المصورة إلى منظمة "كسر الصمت" تجربته في الخدمة في قضاء جنين، حيث تركزت الأهداف المعلنة للجيش بنقل الفوضى إلى ملعب الفلسطينيين داخل القرى والمخيمات.

وبحسب رؤى الضباط والقيادات العسكرية وإرشاداتهم فإن اقتحام القرى والمخيمات ليلا بغية إبعاد ومنع الاعتداءات "الإرهابية" عن الجيش والمستوطنين، وإذا لم يتم تنفيذ ذلك ونقل الفوضى وتشويش حياة الفلسطينيين سيتم استهداف الجيش والمستوطنين بعبوات ناسفة وإطلاق رصاص.

لكن بالنسبة للجندي مانكين فالقضية ليست مجرد إشاعة الفوضى بل يقول: "بإمكاننا أن نفعل أي شيء وما يحلوا لنا، ففي ساعات الفجر جيب عسكري يقتحم قرية سالم قضاء جنين صوروها لنا بأنها معقل للإرهاب، الجيب يسافر بسرعة فائقة، الجنود يطلقون الرصاص الحي الكثيف بالهواء إلى جانب تفجير القنابل وإطلاق قنابل مضيئة بهدف تخويف السكان وزرع الخوف بقلوبهم؟".

ويوضح مانكين أنه "إذا تواجد مسلحون سيطلقون النار وسنرد عليهم ونقوم بقتلهم، هذا المشهد تحول إلى متعة دون مبرر، وعندها تتحرر من الجيش وتعود للحياة المدنية تتكشف لك صورة قاتمة عن هذه الأفعال وتعي بأنك كنت تستهدف تجمعات فلسطينية هادئة ومسالمة بعيدة عن الإرهاب".

المصدر : الجزيرة