عبرا عاد إليها الهدوء بعد اشتباكات خلفت الشهر الماضي عشرات القتلى (الجزيرة)
محمد العربي سلحاني-صيدا

عادت مظاهر الحياة إلى عاصمة الجنوب اللبناني صيدا بعد الاشتباكات التي شهدتها بلدة عبرا بين الجيش وأنصار الشيخ أحمد الأسير منذ أكثر من شهر، غير أن الحادثة أرخت بظلال ثقيلة على النسيج الاجتماعي والتعايش بين مكونات المجتمع في المدينة.

الجزيرة نت جالت في صيدا لتقصي أحوال سكانها بعد تراجع قضية الأسير الذي توارى عن الأنظار عقب المواجهات المسلحة مع الجيش اللبناني في 23 يونيو/حزيران الماضي، والتي خلفت مقتل 18 في صفوف الجيش وأربعين من أنصار الأسير.

مباني ما يعرف بالمربع الأمني للأسير تخضع لعملية ترميم للأضرار التي لحقت بها جراء المواجهات، وشهادات الأهالي تؤكد أن ما جرى حفر آلاما عميقة في نفوسهم جراء الأوقات العصيبة التي عايشوها.

محمد رواس صاحب محل ألبسة بالشارع الرئيسي في عبرا -وهو سني من أم شيعية- يقر بأن الحادثة تركت شرخا بين الأهالي، وخصوصا بين السنة والشيعة.

 حيدر: السياسيون يوظفون الانتماء الطائفي لتحقيق مصالحهم (الجزيرة)

شعور بالقلق
ويضيف أن ذلك انعكس بصورة جلية في حركة البيع والشراء، مشيرا إلى أن زبائنه من الشيعة لم يعودوا يقصدون محله، والشيء نفسه ينطبق على السنة الذين بات معظمهم يتصرف بنفس الطريقة.

ويلفت رواس إلى أن هذه الظاهرة كانت موجودة نوعا ما في الماضي لكنها تعمقت بعد الاشتباكات الأخيرة. ويواصل حديثه وقد تمالكته مشاعر من الغضب "أنا أشعر بالقلق. أسكن بحي للشيعة ولم أعد أذهب إليه إلا نادرا تجنبا للاحتكاك بجيراني من الشيعة".

ويقاطعه صديقه عباس طرح قائلا "تربطني علاقة بصديق من الشيعة عمرها عشرون عاما لكنني صرت أتفادى لقاءه"، ويضيف "تصور حتى أمي الشيعية بت أتجنبها! أنا مستاء جدا مما جرى، لقد تعرضنا لظلم كبير".

فرز طائفي
أم مصطفى -صاحبة محل خضار بالقرب من المربع الأمني للشيخ الأسير- تروي بحرقة حكايتها مع تداعيات اشتباكات عبرا قائلة إنها لم تتمكن من رؤية ابنها بمنزله الكائن في حارة صيدا ذات الأغلبية الشيعية، والسبب أنه كان يرتاد مسجد بلال بن رباح كأمثاله من عشرات الشبان "لكن بعد الذي جرى تلقى تهديدا على أنه من أنصار الشيخ الأسير".

وتحدث الأهالي عن وجود فرز طائفي طوعي، حيث سجلت حالات تنقل لسكان سنة من مناطق شيعية وفي الاتجاه المعاكس أيضا حيث غادر سكان شيعة مناطق سنية.

ويرى الصحفي محمد دهشة أن تعرض منزل النائبة عن المدينة في البرلمان بهية الحريري (سنية) للحصار وإطلاق نار من طرف مسلحين تابعين لحزب الله وكذا مهاجمة مركز الرحمة لخدمة المجتمع التابع للهيئة الإسلامية للرعاية بصيدا وسرقة محتوياته وتحطيم معداته، كل ذلك ولد شعورا بالظلم والإهانة لدى الطائفة السنية.

ويضيف دهشة أن هذه الحوادث وأخرى جعلت أبناء الطائفة السنية يشعرون أنهم هم المستهدفون وليس الأسير وأنصاره فقط.

وكان عناصر من سرايا المقاومة دهموا عددا من المنازل في المنطقة بالتزامن مع الاشتباكات حيث شملت التجاوزات عالمين من هيئة العلماء المسلمين بصيدا.

الرواس: الأحداث انعكست بصورة جلية في حركة البيع والشراء بصيدا (الجزيرة)

استغلال سياسي
وترافقت هذه الأحداث مع أنباء عن مشاركة عناصر من حزب الله إلى جانب الجيش اللبناني خلال اشتباكه مع أنصار أحمد الأسير، ويعتقد على نطاق واسع هنا في صيدا أن انخراط حزب الله في الحرب الدائرة في سوريا ساهم في تنامي حالة الاحتقان وتعكير أجواء العيش المشترك بين الطائفتين السنية والشيعية، بعد أن كان يحظى بقاعدة شعبية عريضة عندما كان سلاحه موجها إلى إسرائيل.

في المقابل يؤكد مختار حارة صيدا ذات الغالبية الشيعية، نزيه مصطفى حيدر، أن سكان عبرا عاشوا لعشرات السنوات في وئام، مستبعدا أن يكون ما حدث له علاقة بالصراع الطائفي بين الشيعة والسنة.

وأضاف أن أبناء المنطقة هم ضحية استغلال سياسي من قبل السياسيين الذي يوظفون الانتماء الطائفي لتحقيق مصالحهم الشخصية، متهما الشيخ أحمد الأسير "بالشحن الطائفي ضد حزب الله والمقاومة وسلاحها وخدمة أجندات خارجية".

وقلل نزيه حيدر من حالة الاحتقان التي تسود المدينة وقال إنها ظرفية وسرعان ما تزول، مؤكدا أن الأوضاع ستعود إلى وضعها الطبيعي قريبا.

المصدر : الجزيرة