خطاب من أحد الفصائل كتب على أحد الجدران يقر ببعض التجاوزات (الجزيرة نت)

مجدي مصطفى-حلب

بدأت الثورة السورية سلمية على شكل مظاهرات تطالب بإصلاحات سياسية، ثم بإسقاط النظام، ثم اضطر الناشطون -حسبما يؤكدون- إلى حمل السلاح بعد أن واجهت القوات النظامية مظاهراتهم بالحديد والنار، وبمرور الوقت وطول أمد المعارك امتلأت الساحة السورية بعدد هائل من التنظيمات والكتائب والألوية والرايات والشعارات.

دوامات الداخل ترافقها رمال التحالفات المتحركة، ولا تختلف عنها دوامات الخارج من مواقف دولية وإقليمية متباينة تجاه الأزمة التي باتت مفتوحة على خيارات مجهولة -على الأقل لدى قطاع كبير من البسطاء في سوريا- وسط تصاعد المخاوف من تشظي الدولة، أو تكرار تجربة أفغانستان في بلاد الشام.

حول ملامح المشهد الراهن واستشراف المستقبل كانت حوارات الجزيرة نت في حلب مع عدد من ناشطي المعارضة المسلحة، والفصائل المختلفة والمواطنين البسطاء، فتنوعت الإجابات والمواقف والحجج بين من يدعو للتفاؤل والاطمئنان ومحذر من مخاطر المستقبل، وحائر في تحديد موقفه، مكتفيا بالقول "الله يستر".

انتقادات ومخاوف
جل من تحدثنا إليهم فضلوا عدم ذكر أسمائهم ورفضوا تصويرهم نظرا لما يرونه من حساسية في الأمر، كما يرى آخرون أن إثارة القضايا الخلافية والتنظيمية بين الفصائل إعلاميا ليست في مصلحة الثورة والثوار والشعب، مفضلين إثارتها داخليا ومعالجتها تنظيميا انطلاقا من الغاية المشتركة التي يلتقي عليها الجميع.

الانتقادات كثيرة وتتعلق بعدة محاور وإشكاليات، فالبعض يرى أن "النقاء الثوري" لم يتحقق بعد بصورته المرجوة، والبعض يعتبر أن الثورة ابتليت بآفات مثل "حب الزعامة" و"كثرة الرؤوس" و"فتنة السلاح" و"التحاسد والتنافس"، إضافة إلى ما يسميه آخرون "الوافد من الأفكار والأشخاص" و"تباين الشعارات والوسائل" و"انحرافات القلة من ضعاف الأنفس"، وتكرار بعض ممارسات النظام السلبية في بعض المواقف.

وحسب من تحدثنا إليهم تنطوي تلك العناوين على الكثير من التفاصيل بعضها قديم نسبيا يعود للأشهر الأولى للثورة تم احتواؤه وتصحيحه، وبعضها لا يزال عالقا، ومنها ما هو جديد يتطلب الإسراع بحسمه ويشكل رهانا على حكمة تلك الفصائل للحجز عند المنبع، وتنقية الساحة أولا بأول من أي ألغام تنذر بخطر الانفجار في المستقبل.

أبو النور مطمئن لمسار الثورة ومتفائل لمستقبلها (الجزيرة نت)

رسائل طمأنة
المتفائلون الداعون للاطمئنان يرون في التعدد صورة صحية، ويؤكدون أنه سيفرز مشروعا فريدا من نوعه، كما يرون أن بعض التجاوزات أمر طبيعي في ظل الثورات، ويؤكدون ثقتهم في النصر مستشهدين بالأحاديث النبوية الشريفة حول الشام وأهله.

القيادي في حركة المجاهدين والأنصار أبو النور -الذي لم يمانع في تصويره أو ذكر كنيته- يطمئن المشغول بالهم  على مسار الثورة، مؤكدا ثقته في "قرب النصر".

حملنا إليه ما يثار من مخاوف فأكد أن تعظيم تلك المخاوف "يعود إلى الإعلام المغرض والأصوات المضللة التي تبالغ في الحديث عن السلبيات وتضخمها بينما تتجاهل الإيجابيات والإنجازات تماما ولا تأتي على ذكرها".

ويمضي في توصيفه للحالة الراهنة قائلا "ما نراه في الساحة أن الحرب متعددة الأطراف وكأن هناك اتفاقا بين الأعداء على آلية الحرب وطبيعتها، حتى الشارع بدا في بعض الحالات طرفا فيها، يرى الإيجابية من المجاهدين فينساها ويرى السلبية فينفخ فيها ويتصيد هذه السلبيات".

التوحيد قادم
وحول تنوع الفصائل وتعددها يقول "في تقديري أن هذا يشكل قوة في جهات دفع لا يطلب منها توحيد الراية، فالساحة مفتوحة في جبهات ومعارك متعددة، ولو كان هناك أمير واحد فلا يستطيع أن يضبط هذه المعارك بكلمة واحدة أو بقرار واحد، ومن ثم تتحرك الجماعات كل بآليته حسب الواقع الموجود عنده".

"فالمعركة في اللاذقية -يضيف أبو النور- لها آلية وضوابط تختلف عن المعركة في دير الزور، وإدارة المعركة هنا قد تختلف، لو توحدنا لاختلفنا وحدث الانشقاق وبدأت الجماعات تنشق بعضها عن بعض لعدم مراعاة الواقع".

ورغم ذلك يعبر أبو النور عن قناعته بأن "إمكانية التوحد واردة في أي وقت، لكون الهدف واحدا والنية واحدة وكل الفصائل تريد تحكيم شرع الله في الأرض، فوحدة الهدف تقرب بين هذه الفصائل لتصل في وقت معين إذا تسنت لها الفرصة أن تتوحد".

الثابت الوحيد الذي أكده محدثنا وتجمع عليه كافة الفصائل والقطاع الأكبر ممن التقيناهم في الشارع وعلى الساحة هنا هو أن النظام انتهى وأن إشهار سقوطه بلا رجعة قادم لا محالة، "حتى لو تعلق بحلفائه الطائفيين والإقليميين لتأخير السقوط".

المصدر : الجزيرة