يوصف سجن الراعي بأنه أقرب إلى النادي ولكنه يظل سجنا في جميع الأحوال (الجزيرة)
 
مجدي مصطفى-حلب

يؤرخ واقع السجون في سوريا لتاريخ طويل من الدم والحديد والنار، خصوصا ما يتعلق بالمعتقلين السياسيين على اختلاف مشاربهم قبل اندلاع الثورة وخلالها وصولا إلى حال السجون ونزلائها هذه الأيام سواء ما يخضع منها للنظام، أو للمعارضة المسلحة.

ويبدو الحديث ذو شجون، فهنا في حلب تجد سجينا أصبح سجانا أو العكس، كما هو الحال في سجن الراعي، الواقع في بلدة حدودية مع تركيا، ويشرف عليه مقاتلو المعارضة، يقابله سجن حلب الذي يعد جبهة اشتباكات دائمة حيث اختطفته قوات النظام "رهينة" رغم حصار الثوار له.

من اضطرته الأقدار إلى زيارة أي من السجون العربية سيدرك أن سجن الراعي أقرب إلى ناد، لكنه يظل سجنا في جميع الأحوال، حتى لوضم حديقة، وملاعب للترفيه عن المسجونين.

يخبرنا مدير السجن أبو حاتم أن السجن الذي يتولى مسؤوليته لواء التوحيد، أسس في 2012 في مارع بحلب لكنه تعرض للقصف بطائرات النظام فور بث قناة الجزيرة تقريرا عنه "ما جعلنا ننقله من هناك إلى مكانه الحالي في الراعي الحدودية مع تركيا حرصا على سلامة الأهالي والمسجونين أيضا"، لكنه لم يسلم، حيث استهدفته اثنتان من طائراته في 11نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

يضم سجن الراعي 400 سجين، بينهم حوالي مائة من الشبيحة، ومثلهم من أسرى الجيش والشرطة من قوات النظام، والباقون جنائيون.

أبو حاتم: من يثبت أن في رقبته دم فالبت في أمره مؤجل حتى سقوط النظام (الجزيرة)

لا حدود
وتتفاوت مدد المحكومية لكل سجين، وبانتهاء فترة العقوبة يخرج ما لم يثبت أن "في رقبته دم" فالبت في أمره مؤجل حتى إسقاط النظام، بحسب أبو حاتم.

أما أحكام المسجونين فصادرة عن هيئة شرعية تضم قضاة شرعيين وحقوقيين وتصدر وفق الشرع، وأغلبها أحكام تعزيرية ولا تطبق الحدود كقطع يد السارق مثلا لأنه لا توجد دولة وولي أمر بعد.

يصحبنا أبو حاتم ونائبه أبو أحمد في جولة بداخل السجن لنتوقف عند العيادة التي تحتاج التفاتة من الهيئات الإغاثية لتزويدها بأدوية تضم 25 دواء أساسيا يفتقر إليها السجن تتنوع ما بين أدوية الالتهابات، والجلدية، والمسكنات، وحتى الشاش والقطن.

فتح لنا أبو أحمد وبصورة عشوائية الزنزانة رقم 3، التي وجدناها مطابقة تماما من حيث المساحة، والنظام للزنزانتين الثامنة والثالثة عشرة اللتين دخلناهما لاحقا، لكننا تجنبا التصوير احتراما لآدمية السجناء وطلب إدارة السجن.

حجرات كبيرة مستطيلة يبلغ طولها نحو عشرة أمتار وعرضها نحو ستة أمتار، يفترش السجناء الأرض على بسط من الإسفنج، ولكل فرشه وغطاؤه، وحقيبته المعلقة على الجدار، سألت مرافقي أبو أحمد هل توزعونهم في الزنازين طبقا لجرم كل مسجون، كأن يكون الشبيحة وحدهم، والجنائيين وحدهم، فأجاب بالنفي مرجعا ذلك إلى اعتبارات أمنية.

مجموعة سجناء توسط الهلال الأحمر السوري لإطلاقهم من سجن حلب (الجزيرة)

هاتفيا
وجهت سؤالا جماعيا للمساجين في كل من الزنازين الثلاثة عن الجديد الذي تعلموه في هذا السجن، فأتي الجواب جماعيا أيضا، بأنه الطهارة والصلاة والقرآن الكريم, ويعود الفضل في ذلك إلى لجنة توعية دينية تمر مرتين أسبوعيا لتعليمهم ثوابت وأساسيات الدين.

وبسؤالي السجناء الذين التقيت بهم في الزنازين وهم من مناطق سورية مختلف منها دمشق وطرطوس واللاذقية وغيرها إلى جانب حلب هل يعرف أهلكم أنكم هنا؟ فيجيبون بنعم، موضحين أن إدارة السجن مكنتهم من الاتصال هاتفيا بذويهم لإبلاغهم بمكانهم ويأتون لزيارتهم كل يوم جمعة من العاشرة صباحا وحتى الرابعة عصرا.

وعلى عكس ما عليه سجن إعزاز تبدو حالة سجن حلب المركزي الذي يضم خمسة آلاف سجين، بينهم نحو 300 من نشطاء الثورة يعانون مأساة إنسانية حيث تستخدمهم قوات النظام دروعا بشرية، في مواجهة حصار مقاتلي أحرار الشام للسجن منذ سبعة أشهر.

ومع طول الحصار اعترف النظام بالثوار للمرة الأولى من خلال تفاوضه معهم عبر الهلال الأحمر السوري، لإطلاق من انتهت فترة حكمه مقابل تقديم الغذاء، لكن من يخرج يتحدث عن أهوال الداخل حسب شهادات استمعت لها الجزيرة نت من ثمانية سجناء أطلق سراحهم الاثنين الماضي بوساطة الهلال الأحمر وسلموا إلى أحرار الشام لمتابعة إطلاقهم.

المصدر : الجزيرة