الأطفال في سوريا لجؤوا للعمل بعدما حرمتهم الحرب من الدراسة (الجزيرة نت)
مجدي مصطفى-حلب

أطفال حلب.. وجه آخر للمعاناة الإنسانية التي تتنوع فصولها في المدينة وأحيائها، فبعد أن اغتالت الحرب المئات منهم، اغتيلت طفولة من نجا من القتل بعدما شملت آلة الحرب مدارسهم فجعلتها أثرا بعد عين.

واقع الطفولة في حلب يعاني ويحفل بالكثير من القضايا التي تبعث برسالة لكل من يحمل هم الثورة لإنقاذ جيل بات يهدده الفقر والجوع والجهل والحرمان خصوصا أبناء البسطاء القليلي الحيلة والإمكانات حيث وجدوا أنفسهم مضطرين إلى دخول سوق العمل مبكرا.

وإذا كانت قضية عمالة الأطفال إحدى المشكلات القائمة في حلب كبقية مناطق سوريا قبل الثورة فإنها تفاقمت بعد الثورة وازدادت تعقيدا، حيث دفعت الحاجة إلى لقمة العيش بالمزيد من الأطفال دون سن الثامنة إلى سوق العمل، خصوصا وأن أعدادا لا يستهان بها ذاقت طعم اليتم المبكر أو إصابة العائل أو فقدان مورد للعيش.

محمد تحول إلى بائع خيار بعد أن قصف النظام مدرسته (الجزيرة)

مسؤولية مبكرة
المتجول في المدينة وأحيائها يلحظ أعدادا كبيرة من الأطفال لا يعرفون شيئا عن طفولتهم، فقد أصبحوا عمالا ينتشرون في الورش الحرفية سواء الميكانيكا وإصلاح السيارات، أو معامل الحياكة وصناعة الأحذية، أو أفران الخبز والحلويات وغيرها، إلى جانب أعداد أخرى تبيع الوقود أو الخضروات أو السجائر أو الثياب المستعملة، وآخرون يجمعون القمامة من الطرقات.

وضع هؤلاء "العائلين الجدد" لا يحتاج إلى كثير بلاغة لوصفه ويكفي أن تقترب من أحدهم لتسأله لتدرك حجم معاناتهم النفسية والمعيشية، فالطفل محمد (10 أعوام) لا يجد مدرسة يتعلم فيها فاتجه لبيع الخيار في سوق الشعار للمساعدة في إعالة أسرته المكونة من سبعة أفراد.

وحين تتحدث إلى محمد يشعرك كغيره من الأطفال الوافدين إلى أسواق العمل بأنه اختصر طفولته وشب رجلا قبل الأوان فيقول "مدرستي طالها القصف، وقتل ثلاثة من زملائي، ما عاد بيصح نتعلم، وأنا هنا لأساعد أمي وأخوتي".

ليرات قليلة هي ما يكسبه محمد في اليوم من فرشة الخيار لكن "الحمد لله ماشي الحال" يرددها محمد كما يرددها صلاح بائع الخبز على ناصية أحد شوارع حي الكلاسة، والذي يقول إن متوسط ما يربحه في اليوم من عمله يصل إلى 200 ليرة (دولار واحد) تزيد أحيانا وتنقص لكنها تظل رافدا لمعيشة أبيه المريض بالقلب وأمه وأخوته الخمسة.

طه لم يجد عملا غير جمع القمامة (الجزيرة)

تزايد ملحوظ
نترك صلاح لنتجول في حي آخر يزدحم بورش تصليح السيارات فنلحظ ازديادا ملحوظا لعدد الأطفال، ففي الورشة يعمل الآن ثلاثة أو أربعة أطفال، ولساعات طويلة وبأجور لا تتجاوز النصف دولار في اليوم، بحسب الطفل عدي (10 أعوام) الذي أصيب والده إصابة بالغة، فوجد نفسه مسؤولا عن إعالة أسرته ولو بالقليل الذي يتقاضاه من ليرات، يتمنى صاحب الورشة -الذي رفض ذكر اسمه- لو تسمح ظروفه بمضاعفتها لكن "ما باليد حيلة".

في الطريق استوقفنا مشهد طه وأخيه منذر وهما يحملان أكياسا من البلاستيك أكبر من حجمهما، كان الوقت ظهرا ورغم حرارة الجو أخبرنا طه (11 عاما) أنه صائم وأنه يستيقظ وأخوه يوميا من الصباح الباكر من حجرة واحدة تقيم فيها الأسرة بعد أن شمل القصف بيتهم المتواضع.

ويبحثان في القمامة عن أية مواد بلاستيكية أو معدنية يجمعانها ويوصلانها لـ"المعلم" الذي يدفع لكل منهما 100 ليرة مقابل يوم عمل ينتهي في المساء، وهذا المبلغ هو ما يتقاضاه أيضا الطفل محمد نور الذي يبيع الوقود لحساب أحد الأشخاص في حي الباب.
 
ما يجمع هؤلاء الأطفال المستضعفين هو غياب اللهو من حياتهم، والأكثر ألما هو معاناتهم النفسية مما تركته مشاهد الحرب والدمار في نفوسهم جعلتهم يفقدون الأمل في متابعة مستقبلهم التعليمي من أجل حياة أفضل.

المصدر : الجزيرة