أزمة مصر تنعكس سلبا على نفسية المواطن
آخر تحديث: 2013/7/22 الساعة 15:43 (مكة المكرمة) الموافق 1434/9/15 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/7/22 الساعة 15:43 (مكة المكرمة) الموافق 1434/9/15 هـ

أزمة مصر تنعكس سلبا على نفسية المواطن

استمرار المظاهرات والمظاهر المسلحة في الشوارع أثر سلبا على نفسية المواطن المصري (الفرنسية)

عبد العظيم محمد الشيخ-القاهرة 

ليس هناك صراع على السلطة دون إراقة دماء. عبارة صادمة كُتبت باللغة الإنجليزية على حافلة للركاب واسترعت انتباهي بينما كنت أسير في أحد شوارع القاهرة الرئيسية.

لم أكد أتجاوز المكان حتى رأيت جمهرة من الناس تتحلق حول شابين يتعاركان بالأيدي وما لبث أن انضم إلى المعركة عدد من المتفرجين.

في اليوم التالي وقع أمام عيني حادث تصادم عادي بين سيارتين وبدلاً من أن يستدعي الطرفان الشرطة اندلعت بينهما مشاجرة عنيفة، وسرعان ما اتسعت دائرة الصراع لتشمل بعض المارة. ولا يكاد يمر يوم دون مشاجرات ومشاحنات في شوارع القاهرة.

لقد شهدت مصر خلال العامين الأخيرين أحداثاً خطيرة شكلت علامة فارقة في تاريخها الطويل، وتركت آثاراً عميقة ليست على الصعيد السياسي والاقتصادي والأمني فحسب بل على المستوى الاجتماعي والسلوكي كذلك.

المفارقة أن لا صوت في مصر هذه الأيام يعلو فوق صوت السياسة. الكل هنا، شيباً وشباباً، نساءً وأطفالاً، يتحدثون بشؤون السياسة وليس سواها.

يقول محمود عوض -وهو سائق تاكسي يسكن حي أمبابة بالقاهرة- إن الحياة تكاد تتوقف بسبب ما يجري من اعتصامات ومظاهرات في كل ميادين العاصمة الرئيسية حتى سرى شعور بين الناس أن مستقبل البلاد بات في مهب الريح.

التضليل الإعلامي
ويعزو د. أحمد عبد الله -مدرس الطب النفسي بكلية طب جامعة الزقازيق- مظاهر التوتر التي بدأت تطرأ على سلوك الناس في إشارة إلى ما سماه "التضليل الإعلامي والدعاية السوداء" الذي أثر بدوره على نفسية المصريين وأصابهم بدرجة عالية من التشوش نتيجة غياب المعلومات ذات المصداقية".

التضليل الإعلامي والدعاية السوداء" أثر بدوره على نفسية المصريين وأصابهم بدرجة عالية من التشوش نتيجة غياب المعلومات ذات المصداقية

وقال في حديث للجزيرة نت إن "من يريد أن يعمل بشكل مهني يتعرض للهجوم والحض على الكراهية".

لم تعد الظاهرة تخفى على الدوائر الأكاديمية والإعلامية، فقد كشفت دراسة حديثة أجرتها الجامعة الأميركية في القاهرة تزايد معدلات القلق والتوتر بين سكان العاصمة المصرية بسبب الأحداث العنيفة التي هزت الشارع ومشاهدة الأخبار في فترة ما بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني، التي أطاحت بنظام الرئيس حسني مبارك.

تقول الدراسة إن المصريين ينتابهم حالياً إحساس بعدم الأمان جراء ارتفاع معدلات الجريمة، وتوجسهم من المستقبل وقلقهم من حالة عدم الاستقرار في البلاد.

لقد أفضت مشاهدة الناس لمظاهر العنف -سواءً في الشارع أو عبر التقارير الإخبارية- إلى إصابتهم بالصدمة وتجلى ذلك في إحساسهم بعدم الأمان، كما توصلت دراسة الجامعة الأميركية.

وكشف مقياس التوتر موضوع الدراسة أن حوالي 60% من المشاركين قد بدت عليهم أعراض الاضطراب النفسي ما بعد الصدمة، وبالتالي قد يحتاجون إلى رعاية نفسية.

وفي تحليله لأسباب هذا التوتر، يرى د. أحمد عبد الله أن البنية العقلية الثقافية للمصريين "هشة وغير متماسكة فكرياً، كما أنها لا تدقق ولا تفكر بشكل نقدي وتتأثر بالأمور العاطفية حتى لو كانت غير صحيحة".

وأضاف أن العقلية المصرية ليست معتادة على الخلاف "فالمعلومات مشوشة والشائعات كثيرة والثقافة غير نقدية كما أن البنية الروحية غير قوية وبالتالي يقل التسامح والتماسك عند الشدائد".

ثابت ومتغير
أما د. علي ليلة -أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس- فيرى في حديثه للجزيرة نت أن أي تغيرات جذرية من الطبيعي أن تصاحبها بعض مظاهر الفوضى، لكن يجب أن نفرق بين ما هو ثابت وجوهري وما هو ثانوي ومتغير.

ويردف قائلاً "ما هو ثابت وجوهري هو استمرار الفعل الثوري واستمرار التحول الديمقراطي على مراحل متتالية تتميز بالقدرة على التصحيح الذاتي".

ويوضح كلامه بالتأكيد على أن ما هو فرعي ومتغير الانفلات وبعض مظاهر الفوضى وهو أمر طبيعي ولن يستمر طويلا وهو أشبه بالأعراض الجانبية التي تزول بمرور الزمن.

نعود إلى حديث د. أحمد عبد الله الذي حاول فيه سبر أغوار الشخصية المصرية، إذ يُرجع أسباب معظم ما يجري في مصر الآن إلى عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك.

والنتيجة -والكلام لا يزال له- أن كل مصري يشعر بأنه مهدد وخائف من الآخرين وقلق على المستقبل ولا يتقبل الاختلاف الفكري لأنه لا يثق بالآخرين ولا يطمئن لهم... "ولذلك جاءت شخصيته متوترة ومضطربة، وكلامه متطرفا أحياناً".

إن أشد ما يخافه كل المصريين بمختلف مشاربهم وطوائفهم أن يتحول التكالب على كراسي الحكم إلى صراع دموي فتتحقق بذلك المقولة التي كُتبت على زجاج الحافلة بأن "لا صراع على السلطة دون سفك الدماء".

المصدر : الجزيرة