آنية وأدوات معروضة في سوق الخماخيم في حلب (الجزيرة نت)

مجدي مصطفى-حلب

حلب .. قلب سوريا التجاري النابض، وعاصمتها الاقتصادية، أسواقها مرآة أهلها، عادت الحياة للجزء الواقع تحت سيطرة الثوار، وعاد الكثير من الأهالي وعادت معهم حقائق جديدة تعكسها تلك الأسواق.

الازدحام هو السمة الغالبة على أسواق حلب حتى يخيل للزائر أن المدينة وريفها لم تعد في حالة حرب، لكن آثار القصف والدمار المنتشرة في كل مكان، والحواجز العسكرية، ومسلحي الفصائل، وأصوات تبادل إطلاق النار على الجبهات ومناطق التماس تجعل الزائر يراجع نفسه قبل إطلاق  مثل هذا الحكم.

ومن بين أسواق الخضار ومحال الملابس والعطور والحلويات الحلبية الفريدة والشهيرة والورش والمعامل التي تعمل من ساعات الصباح الباكر حتى المساء، استوقفنا سوق "الخماخيم" او الأشياء المستعملة، التي يطلق عليها في دول الخليج اسم "الحراج"، وفي غيرها من الدول أسواق "الروبابيكيا".

طبعة جديدة
هذا النوع من الأسواق ليس جديدا، فله رواده من الباعة والمشترين، وهواة التقاط النادر من المستعمل، يعرف الحلبيون السوق باسم "الخماخيم"، لكن الجديد نوعية جديدة من الباعة والمشترين والمعروض للبيع في زمن الحرب.

تتنوع السلع المستعملة المعروضة للبيع في السوق القائم بحي المرجة جنوب مدينة حلب لتشمل كل ما يخطر بالبال، ويضاف إلى قائمة الباعة ما اضطر الأهالي لبيعه مما يمكن بيعه من أثاث منازلهم، أو حتى ملابسهم لتوفير الطعام لهم ولأسرهم، وهذا أقسى ما يمكن أن تصادفه.

سوق الخماخيم مقصد الباحثين عن الضروري من السلع (الجزيرة نت)

المساومة غائبة
أبو زكريا واحد من تلك الحالات التي استوقفتنا في أحد أركان السوق واضعا أمامه كمية من ملابس أسرته يعرضه للبيع، يقف ابنه إلى جواره، تنحينا بالأب جانبا للحديث معه، يقول الرجل على استحياء إنها المرة الأولى أن يرتاد هذا السوق بائعا أو حتى مشتريا، لكن الظروف هي التي اضطرته إلى ذلك.

أبو زكريا موظف سابق وأب لسبعة أبناء وبنات ويعيل أمه وأخاه الأصغر، دفعته الحاجة إلى بيع ثياب عائلته مع إبقاء الضروري منها، لا تسمع به لجان الإغاثة كغيره من المحتاجين، وتمنعه عزة نفسه كغيره من طرق تلك الأبواب سائلا العون، ويرى في بيع ثياب العائلة خيارا أفضل لتوفير ما يسد الرمق بدلا من أن يمد يده سائلا أو سارقا، حسب قوله.

يقترب أحد المشترين من فرشة أبو زكريا المتواضعة من الثياب مختارا قميصا يسأل عن سعره، فيجيبه 200 ليرة فقط، (وهو ما يعادل دولارا واحدا)، لم أسمع مساومة بين البائع والمشتري، دفع الرجل القيمة وأخذ القميص وانصرف.

بيع المضطرين
المساومة "ما بتحسن مع المضطرين"، بهذه العبارة قابلنا رضوان سويد أحد تجار العقارات قبل الحرب الذي تحول إلى تاجر أثاث مستخدم بعد الحرب، فالرجل يروي عن حالات اضطرت للرحيل وبيع أثاث منازلها، وأخرى عادت ووجدت نفسها في حاجة إلى شراء الضروري والحد الأدنى من مقومات المنزل من أثاث، ويعيد مكررا عبارته أنه لا يجب المساومة مع هؤلاء بيعا وشراء.

ويضيف سويد أن الذين اضطروا للمغادرة "عرضوا علينا ما لم يستطيعوا حمله من أثاث منازلهم وملابسهم، لتوفير نفقات النزوح أو الهجرة إلى المنطقة التي يقصدونها سواء عند أقاربهم في الريف أو دول أخرى، فأيام الحرب كانت أياما صعبة على الجميع".

اضغط للدخول إلى صفحة الثورة السورية

شراء المقهورين
على بعد خطوات من فرشة سويد التي أقيمت في "كازية" وهي محطة بترول مهجورة، وعلى فرشة أخرى على الأرض وجدنا سيدة بصحبة طفلتين تحاول انتقاء بعض الأواني البسيطة المستعملة.

وإدراكا منا لقيم وعادات الحلبيين المحافظة لم نتدخل في عملية الشراء، واكتفينا بسؤال البائع بعد أن انصرفت، فقال إن حال تلك السيدة كحال غيرها من العائدين الذين دمرت منازلهم بما فيها من أثاث أو تعرضت للنهب والسرقة من بعض ضعاف النفوس وتريد توفير الضروري من المستلزمات بالحد الأدنى وبأقل التكاليف، لذا لا تجد غير هذا السوق مقصدا.

مصابيح الإضاءة التي تعمل بالكيروسين أو المازوت، كما يسميه السوريون، سلع أخرى قديمة لكنها جديدة هذه المرة بعد إعادة إنتاجها وجدت طريقها إلى السوق في ظل عدم وجود الكهرباء في عدد كبير من الأحياء أو انقطاعها المتكرر في أحياء أخرى، فالطلب على تلك المصابيح يتزايد خصوصا من غير القادرين على شراء مولدات كهربائية لمنازلهم حيث يشكل وقودها عبئا ماديا آخر لا يستطيعون تحمله.

المصدر : الجزيرة