أطفال سوريا يأملون أن يجدوا في التعليم طريقا للمستقبل (الجزيرة نت)

مجدي مصطفى-حلب

اختارت الأقدار أن يتزامن اندلاع الاحتجاجات في حلب قبل عام مع نهاية عام دراسي والاستعداد لآخر جديد. وفي "سنة ثانية ثورة" يبدو المشهد التعليمي مأساويا، وينطوي على خطورة لا تقل عن خطورة ساحات المواجهة والقتال مع قوات النظام.

وفي ملف التعليم تجمع الأزمة كافة مفردات العملية التعليمية من طلبة وتلاميذ، ومدرسين، ومدارس ومرافق، وكتب دراسية وأدوات تعليمية ومناهج، وشهادات، ورواتب المدرسين وغيرها، حيث تعاني جميعها من أزمات ومشاكل مركبة، فضلا عن أزمة الطلبة الجامعيين.

في حلب تقع الجامعة في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، وهنا في الأجزاء الخاضعة لسيطرة مقاتلي المعارضة التقينا عددا من الطلبة الجامعيين فضلوا عدم ذكر أسمائهم أو التقاط صور لهم، وأكد طالب السنة الرابعة في كلية الهندسة والمنقطع منذ عام عن الذهاب إلى الجامعة، الخطورة الأمنية التي يواجهها الطلبة هناك خصوصا القادمين من الأماكن المحررة.

طلبة جامعيون تحدثوا عن حالات اعتقال لزملائهم من قاعات الدرس، فضلا عن الاختفاء القسري لآخرين
وما أكده طالب الهندسة اتفق معه فيه طالبان من كلية الشريعة أشارا إلى حالات اعتقال لزملائهما من قاعات الدرس، فضلا عن الاختفاء القسري لآخرين على أيدي أجهزة النظام منذ أكثر من عام ونصف ولا يعرف مصيرهم.

وانخرط عدد من طلبة الجامعة في صفوف الثوار وانشغل آخرون بتوفير لقمة العيش لأهاليهم، في حين تطوع طلبة وطالبات للعمل كمدرسين للأطفال والتلاميذ في المراحل الابتدائية.
 
ويأمل هؤلاء الطلبة استكمال دراساتهم "مع اكتمال النصر" كما يقول أحدهم،  أو مع اهتمام دولة عربية أو إسلامية بهم لمساعدتهم في هذا الشأن.

زمن الحرب
حال التعليم ما قبل الجامعي هو الأسوأ، فمعظم المدارس قصفت وأصبحت غير صالحة، وحسب معطيات المكتب التنفيذي للتربية والتعليم في محافظة حلب هناك 148 مدرسة في المناطق المحررة بالمدينة، ليست مدارس بالمفهوم المتعارف عليه، ولكنها تجمعات للتدريس في المساجد والمدارس والأقبية يدرس فيها نحو مائة ألف طالب.

وحتى القليل جدا من المدارس التي نجت من القصف اتخذت منها بعض فصائل المقاتلين مقرا لها حسب قول إبراهيم أبو بكر القائم على مبادرة تعليمية تتخذ من مسجد عثمان بن عفان في حي هنانوا مقرا لمدرسة تضم نحو 300 تلميذ و200 تلميذة يدرسون بشكل منفصل في الطابق العلوي من المسجد.

ولأن التدريس في تلك المبادرة ليس أكاديميا كما يخبرنا أبو بكر، فإنه يتم على فترتين صباحية ومسائية ويشمل اللغة العربية قراءة وكتابة، وحفظ القرآن الكريم وتجويده والحديث النبوي.

فصل دراسي في مدرسة القلم
وتظهر خديجة الثانية من اليسار
(الجزيرة نت)

براءة خديجة
ورغم حماس الأهالي لهذا النشاط التدريسي فإن الإمكانيات محدودة للغاية ولا توجد أي جهة تدعمها، وهو ما تعانيه أيضا مدرسة "القلم" في حي الكلاسة والتي تشغل شقة سكنية في الطابق الأول بإحدى العمارات السكنية.

اصطحبنا معاوية القائم على تلك المدرسة -وهو خريج كلية الشريعة بحلب وطالب الدراسات العليا بها والمتوقف حاليا عن متابعة دراسته- إلى "الشقة المدرسة" فنبهنا إلى أن الغرض من اختيار الطابق الأول وضمن عمارة سكنية هو توفير الأمن للتلاميذ البالغ عددهم 150 تلميذا وتلميذة.

من بين وجوه التلاميذ كان هناك وجه طفلة مفعم بالجمال والأسى، وبسؤالها عن اسمها أجابت ابنة السبع سنوات: خديجة.. تشجعت وسألتها عن أبيها فأجابت ببراءة "استشهد"، عندها فقدت القدرة على إكمال أسئلتي شعورا بالضعف أمام نظرات خديجة.. وبراءتها.

وما يزيد في الأسى وجود عشرات -إن لم يكن المئات- مثل حالة خديجة، لكن معاوية لم يفته أن يتدخل قائلا إن الحالة النفسية للتلاميذ حاليا أفضل مما كانت عليه من قبل، خصوصا بعد الأشهر الأولى للثورة، حيث أمضى وبقية المدرسات والمدرسين وقتا طويلا في تهيئة الأطفال نفسيا ومعالجة الآثار التي تركها القصف، مستشهدا في ذلك برسوم الصغار التي كان يغلب عليها في البداية صور الطائرات والصواريخ حتى انتقلت إلى صور الأشجار والزهور.

عبد الكريم أنيس تحدث عما يعانيه قطاع التعليم
من نقص الدعم والإمكانات (الجزيرة نت)

هموم التعليم
وفي مقابلة للجزيرة نت مع مدير المكتب التنفيذي للتربية والتعليم والثقافة في الإدارة التعليمية بمجلس محافظة حلب عبد الكريم أنيس، بدا الرجل موجوعا بهموم التعليم في بلاده، وتحدث عما يعانيه القطاع من
نقص الدعم والإمكانيات، وعن المتطوعين والمعلمين الذين لم يتقاضوا رواتبهم الزهيدة منذ شهور، وعن الكتب المدرسية الغائبة.

ويرى أنيس في دعم العملية التعليمية مجالا آخر قد يتخطى مخاوف الغرب في تزويد مقاتلي المعارضة السورية بالسلاح، مقارنا سعر سلاح نوعي واحد بميزانية الإدارة التعليمية، ويتساءل: إذا كان هؤلاء مترددين في الدعم بالسلاح فما الذي يجعلهم مترددين في دعم التعليم؟

لكنه ينبه إلى ضرورة تنسيق الدعم لهذا القطاع طبقا للاحتياجات تجنبا للعشوائية وضمانا لمصلحة التلاميذ والطلبة والمدرسين والمجتمع بشكل عام.

المصدر : الجزيرة