مواطنون ينتظرون أمام مصنع للثلج في حي الكلاسة بحلب (الجزيرة نت)
 
مجدي مصطفى-حلب

في صيف حلب الرمضاني يلاحظ الزائر هذه الأيام ازدحاما شديدا في الأسواق على شراء ألواح الثلج أو "البوظ"  كما يسميه أهل حلب.

المشهد ناتج عن غياب الكهرباء أو انقطاعها المتكرر عن أحياء بكاملها عاد إليها أهلها ولم تعد، وإن عادت فلساعات قليلة لا تتجاوز الأربع في اليوم والليلة، مما يعظم حاجة  المواطنين في شهر الصوم إلى شربة ماء باردة بعد ساعات صوم تبلغ 16 ساعة.

في الشوارع يتزاحم المشترون على باعة الثلج الذين تنفد بضاعتهم سريعا خصوصا بعد العصر وقبيل الإفطار، فالسلعة مضمونة البيع سريعة النفاد والمعروض منها أقل من الطلب.

لكن تكدس المشترين أمام مصانع الثلج يبدأ مبكرا، ففي الصباح يتزاحم باعة العصائر على مصانع الثلج لشراء العنصر الأساسي لتجهيز بضاعتهم التي يتعيشون من بيعها من المشروبات الرمضانية، سواء العرقسوس أو التمر هندي أو شراب التوت وغيرها.

ورغم أن المصنع يغلق أبوابه في وجه المشترين لكي يتمكن من إنتاج كمية جديدة من ألواح الثلج يبيعها عصرا، يجد المار أمام مصانع الثلج جموعا تنتظر أن يعيد فتح أبوابه.

انتظار
استوقفنا الزحام عند الساعة الثانية بعد الظهر أمام مصنع للثلج في حي الكلاسة، حيث شاهدنا جمعا لافتا من الشباب والنساء والرجال وحتى الأطفال ينتظرون جالسين أو واقفين لشراء قطعة من الثلج، خصوصا أن سعر لوح الثلج من المصنع يبلغ مائتي ليرة في حين أن الباعة الآخرين يبيعونه خارج المصنع بخمسمائة ليرة (الدولار يعادل مائتي ليرة سورية).

الثلج يصنع بطريقة بدائية لا تتناسب مع الطلب عليه (الجزيرة نت)

فارق السعر هذا هو ما جعل الشاب مهند سليمان وغيره من المنتظرين يمضون الساعات انتظارا، وأخبرنا مهند أنه ينتظر وغيره منذ الساعة الواحدة بعد الظهر لشراء نصف لوح من الثلج لأسرته، وهو السبب نفسه الذي يخبرك به بقية المنتظرين من نساء ورجال وأطفال.

بصعوبة استطعنا تخطي الزحام وصولا إلى باب المصنع، وبعد تفاوض مع العمال بالداخل عبر فتحة في الباب المغلق فتح لنا الباب فدلفنا نراقب عملية التصنيع البدائية للثلج.

الطاقة الإنتاجية للمصنع كما يخبرنا أبو أحمد -أحد القائمين على المصنع- هي ثمانمائة لوح في اليوم، ويتطلب إنتاجها عدة ساعات حتى يتجمد الماء الذي أضيف إليه الملح للمساعدة في التجمد.

وإلى جانب سعر المصنع يرجع أبو أحمد سبب الزحام إلى نوعية الماء المستخدم في مصنعه لصناعة الثلج، فيقول إنه ماء مصفى ونظيف ونقي مصدره شركة تكرير وليس ماء آبار.

ومقارنة الحال الآن بما كان عليه من قبل، يقول "سعر لوح الثلج سابقا لم يكن يتعدى خمسين ليرة في أصعب الحالات، لكن الغلاء الحالي يعود إلى ارتفاع الطلب نتيجة انقطاع الكهرباء وكذلك ارتفاع سعر المازوت الذي يعمل به المصنع إلى جانب انخفاض سعر الليرة".

شتاء قاس
وإذا كان غياب الكهرباء هو السبب وراء اشتعال أسعار الثلج في حلب هذا الصيف، فإنه أيضا جعل الدفء أمنية شتوية نادرة، حيث عاش الحلبيون شتاء قاسيا لم يعرفوه من قبل، حيث وصلت درجة الحرارة إلى درجتين مئويتين في كثير من الأحيان، وارتفعت أسعار الوقود بصورة جنونية، وبلغ سعر لتر المازوت 250 ليرة كما يقول أبو صطيف.

أزمة الوقود تسبب معاناة كبيرة للسكان (الجزيرة نت)
أما عبد الستار الحلبي فيستذكر أيام الشتاء العصيبة تلك قائلا إن كثيرا من الناس لجؤوا إلى الحطب للطبخ والتدفئة، ومن لم يجد حطبا لجأ إلى حرق كل ما يمكن حرقه من أبواب منازل مدمرة، ونفايات وأكياس بلاستيك، وحتى كتب. وبلغ الأمر حرق بعض المستلزمات العسكرية التي جلبها البعض من مخازن مهجورة للجيش مثل الأحذية.

وفي طريق الباب يشير مرافقنا أبو صلاح التركماني إلى متنزه الصاخور في الحي الذي يحمل الاسم نفسه من مدينة حلب، حيث كانت تملؤه الأشجار قائلا إن السكان اضطروا إلى قطع الكثير من أشجار المتنزه الشتاء الماضي بغرض التدفئة والطهي.

محاولة للتكيف
وللتغلب على أزمة انقطاع الكهرباء هذه، لجأ المستطيعون إلى شراء مولدات تعمل بالمازوت، أما غير المستطيعين فيلجؤون إلى المصابيح البدائية التي تعمل بالمازوت، كما أفرزت الأزمة أسلوبا تعاونيا للتغلب عليها حيث تشترك أكثر من عائلة في مولد واحد لإنارة منازلهم.

وفي الطرقات يلاحظ المار كثرة باعة الوقود، سواء المازوت أو البنزين، يضعونه في براميل ويقومون بتزويد المشترين منه بوسائل بدائية، فلم تعد هناك محطات وقود نظامية تقوم بتلك المهمة، لتظل الطاقة والوقود العنصر الأهم والأكثر تأثيرا في المعاناة المعيشية لأهالي حلب صيفا وشتاء.

المصدر : الجزيرة