تؤرخ العبارات المكتوبة على الجدران لمراحل تطور الثورة السورية بداية من الاحتجاجات (الجزيرة)

مجدي مصطفى-حلب

هنا في حلب فضاء آخر لـ"هتاف الصامتين" تنطق به جدران المدينة وأحياؤها المختلفة في المناطق التي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة لتشرك العابرين في حوار ممتد عن قصة شعب لم تكتمل فصولها بعد.

تتنوع العبارات المكتوبة على الجدران في حلب لكنها تشترك جميعها في معان وقيم واحدة تؤكدها بصور متعددة، إنها الإصرار والصمود والصبر، والدعوة لوحدة الصف والثبات والعزم على المضي قدما.

وتؤرخ العبارات المكتوبة على الجدران لمراحل تطور الثورة بداية من الاحتجاجات وشعارات "الشعب السوري لا يهان ولا يذل"، وصولا إلى عبارات أخرى تتماشى مع طبيعة الأوضاع وحقائق الواقع في المرحلة الحالية.

يستطيع من يسير وسط أطلال المنازل التي أصابتها الآلة الحربية لجيش النظام، أن يعرف كم كانت تلك الآلة عمياء حيث لم تفرق في قصفها بين منازل المدنيين البسطاء، والمساجد والمشافي والمعامل.

العبارات المكتوبة على الجدران تؤرخ لمراحل تطور الثورة (الجزيرة نت)

"ننتصر أو نموت"
وسط الأنقاض وعلى الجدران تطالعك عبارة تخاطب النظام وجيشه قائلة "صواريخك دليل ضعفك"، وأخرى تقول "الدمار يزيدنا إصرارا"، و"لن نركع إلا لله"، و"نحن لن نستسلم، ننتصر أو نموت".

ومن بين الشعارات التي تواسي قارئيها على تضحياتهم وتدعوهم للصبر والثبات نقرأ "لا بد للأمة من ميلاد ولا بد للميلاد من مخاض ولا بد للمخاض من آلام" وأخرى تقول "الثورة تضحية وليست مكسبا"، وعبارة تخاطب من يحملون السلاح قائلة "الجهاد في الجبهات وليس بالمداهمات"، منتقدة بذلك صراحة العدول عن المهمة الأساسية للسلاح في تلك المرحلة.

تقودنا رحلة التجول في أحياء حلب إلى طريق الباب حيث نلتقي الشاب خليفة الخضر الذي أراد أن يبعث الأمل في نفوس المنكوبين ممن دمرت منازلهم فاستحدث لنفسه طريقة للكتابة والرسم الكاريكاتيري على الأنقاض.

يعمد خليفة الخضر إلى استخدام الألوان الفاتحة لتبعث على التفاؤل والبهجة، لا تقل عنها العبارة التي ينتقيها، كما لا يغيب عنه استمالة الأطفال الذين يتحلقون به لحظة الكتابة برسم الشخصيات الكارتونية المحببة إليهم.

يتحدث الخضر -ابن العشرين عاما والذي يدرس الكمبيوتر في جامعة حلب حيث ولد وعاش- عن كيف غادر المدينة هو وجميع أفراد أسرته حين تعرضت حلب للقصف, حيث توجهوا إلى الرقة لكنه سارع إلى العودة بصحبة شقيقه الذي يقاتل ضمن صفوف الجيش السوري الحر.

الرسام خليفة الخضر يعمد إلى استخدام الألوان الفاتحة لتبعث على التفاؤل والبهجة (الجزيرة نت)

بكرة أحلى
القاسم المشترك فيما يرسمه أو يكتبه الخضر هو عبارة "بكرة أحلى" فهو يحرص عليها في غالب أعماله لتعزيز التفاؤل بالمستقبل وبغد أفضل، كما أنه يدعو الفنانين والأدباء العرب إلى زيارة سوريا الثورة.

ويعتبر أن زيارة سوريا في تلك الظروف ستشكل رافدا غنيا لكل فنان بأفكار جديدة ولن يجدها إلا من وحي المكان، مؤكدا أهمية ودور الفن في تشكيل الوعي.

يستطيع المرء أن يصادف المزيد من العبارات والرسوم  التي يكتبها ويرسمها الخضر أو غيره إذا أطال جولته وسار راجلا ومتمهلا ليجد نفسه دونما أن يشعر في حوار مع ما تحمله الحجارة من معان مكتوبة عليها، أو ناطقة بلسان الحال.

واقع الهدم والقصف الذي بالغت قوات النظام في فرضه لا يحتاج إلى بلاغة كثيرة لشرحه، فقد أصابت آلة القصف مرافق مدنية ولم تفرق بين منزل أو مسجد، أو مشفى أو عيادة أو حتى دور عبادة.

صمت صارخ هو ما نال مئات من المواقع التي استهدفتها آلة الدمار العمياء في المدينة وأحيائها, فخلف مسجدا دمر تماما وآخر أصيبت مئذنته ومستشفى سوي بالأرض وآخر بات آيلا للسقوط. وراء كل مشهد وبيت ومسجد, ومعمل أصابته آلة الحرب قصص كثيرة علها تبحث عن حكواتي جديد ليرويها، وحتى تجده فهي تتحدث عن نفسها.

المصدر : الجزيرة