البلد غني والتسول ظاهرة يعتبرها الجزائريون غريبة عن قيم المجتمع (الجزيرة)

ياسين بودهان-الجزائر

تشهد الشوارع وباحات المساجد خلال شهر رمضان في الجزائر ارتفاعا لعدد المتسولين، وهي الظاهرة التي أخذت أبعادا مقلقة، وتشكل مفارقة في بلد غني.
 
ويرى مراقبون أن تدهور القدرة الشرائية، وانتشار البطالة، من بين الأسباب المباشرة لانتشار هذه الظاهرة، التي يقولون إنها غريبة عن قيم المجتمع الجزائري.

وخلال جولة في بعض الأحياء الفقيرة بالعاصمة يمكن الوقوف على مدى انتشار الظاهرة، ففي ساحة الشهداء هناك العشرات ينتشرون في مختلف الأزقة والشوارع الرئيسية، لكن تبقى المساجد هي المكان المفضل للمتسولين خلال شهر رمضان لاستعطاف المصلين.

ففي المسجد الكبير والمسجد الجديد بساحة الشهداء وسط العاصمة مثلا يوجد العشرات من المتسولين من مختلف الفئات الاجتماعية، يتفننون في صياغة عبارات الاستعطاف باستعمال مختلف الوسائل.

فمن المتسولين من يستعمل الأطفال الصغار الذين يُستأجرون من عائلات فقيرة مقابل سعر يصل إلى حدود ألفي دينار جزائري باليوم الواحد، ومنهم من يستعمل عاهة مرضية أصيب بها، فتجده يعرض أمام المصلين وثيقة طبية أو يكشف عن عضو مصاب أو مبتور، إلى غير ذلك من أساليب الاستعطاف.

مساجد الجزائر تصبح قبلة للمتسولين في شهر رمضان (الجزيرة)

منح الدعم
وفي سبيل منح دعم للفئات المعوزة والوقوف في وجه ظاهرة التسول، رصدت وزارة التضامن والأسرة 570 مليون دينار لأكثر من 1.5 مليون محتاج، من خلال منحهم ما يطلق عليه بـ" قفة رمضان"، وهي عبارة عن مواد غذائية أساسية، كما قررت فتح 795 مركز إفطار على مستوى 48 محافظة لإطعام عابري السبيل والمعوزين والأشخاص الذين دون مأوى.

لكن هذا الإجراء رغم أنه إيجابي إلا أنه بحسب مراقبين غير كاف لأنه مناسباتي، وهذه الفئة هي بحاجة إلى رعاية دائمة.

وفي حديثه للجزيرة نت تأسف رئيس الهيئة الاستشارية لترقية حقوق الإنسان وحمايتها (هيئة حكومية)، المحامي فاروق قسنطيني، لارتفاع عدد المتسولين في شهر رمضان بالجزائر، والسبب في ذلك -برأيه- الظروف الاجتماعية التي تسببت في ألم اجتماعي بسبب البطالة وانهيار القدرة الشرائية.

ورغم أهمية الموضوع وحساسيته إلا أن التقرير السنوي لحقوق الإنسان في الجزائر 2012، الذي كشف عنه مؤخرا، لم يتضمن إشارة إلى هذه المشكلة، ورد على ذلك من خلال قوله "أنا اعترف أمامكم رغم أهمية هذا الموضوع إلا أننا لم ندرجه في تقريرنا السنوي 2012، لكنني أعد الجزائريين بإدراج هذا الأمر في تقريرنا السنوي لـ2013".

وأشار محمد حديبي الناطق الرسمي باسم حركة النهضة (حزب إسلامي معارض) إلى فشل سياسات الدولة في خلق التنمية الحقيقية في الجزائر، وحمل السلطة مسؤولية ما تعانيه الفئات المسحوقة جراء هذا الفشل الحكومي.

وأوضح حديبي قائلا "وجود ظاهرة التسول في بلد مثل الجزائر هو من المفارقات العجيبة، فكيف لبلد احتياطات صرفه في البنوك الأجنبية تتجاوز مائتي مليار دولار، وشعبه يتسول؟".

واعتبر المتحدث أن هذا الأمر لم يحدث في أي بلد من بلاد العالم، مفسرا ذلك بأن ثمة توجها لدى السلطة "من أجل إخضاع الشعب عن طريق تجويعه، وبالتالي تمرير مخططاتها وسياساتها الفاشلة". 

حديبي: وجود ظاهرة التسول في بلد مثل الجزائر من المفارقات العجيبة (الجزيرة)

أشكال التسول
ويرصد الأستاذ في علم الاجتماع بجامعة جيجل، عادل شيهب، عدة أشكال للمتسولين ولطرق التسول، فمنهم من يعاني من عاهات مرضية، ومنهم من يستجدي عطف النساء العازبات، ومنهم من يستخدم موازين لقياس وزن المارة.

وهناك تسول الدعارة، وهذا النوع من أخطر أنواع التسول برأي شيهب، وهو خاص بالنساء المطلقات، بحيث يقمن بالتسول في النهار، وفي نفس الوقت البحث عن زبون في الليل لممارسة الدعارة.

أما عن أسباب انتشار هذه الظاهرة فيحصرها شيهب في عدة أسباب أهمها الفقر والبطالة، إلى جانب ضعف الدخل وكبر حجم الأسرة، بالإضافة إلى غلاء المعيشة وأسعار الحاجيات، كما أن هناك من يتخذها مهنة يلجأ إليها رغم يسر حالته الاجتماعية والاقتصادية، لما تدره عليه من أموال دون تعب.

ويشير شيهب إلى أن "ارتفاع عدد المتسولين في رمضان يأتي بالنظر إلى استغلال هؤلاء للبعد الروحي والتضامني لهذا الشهر، لذلك تراهم متمركزين أمام المساجد".

وأكدت وزيرة التضامن الوطني والأسرة سعاد بن جاب الله، الأسبوع الماضي خلال ردها على أسئلة نواب البرلمان حول انتشار الظاهرة أن التسول ظاهرة اجتماعية غير مقبولة ينبغي الوقوف عندها من طرف الدولة، مشيرة إلى وجود عجز في إحصاء هذه الظاهرة، إلا أن الأرقام تشير إلى إحصاء نحو 11 ألفا و269 شخصا على مستوى 48 محافظة جزائرية.

المصدر : الجزيرة