شجرة الزيتون الرومي تعرف بأنها طويلة العمر وتقول الروايات إن عمرها يمتد لنحو ألفي عام (الجزيرة نت)

عاطف دغلس-نابلس

ما إن تحط قدمك على مقربة من جذعها حتى تذوب بين ثناياه، إذ تضاهي ضخامته عرض شاحنة كبيرة، وتأخذك بسحرها تلك الأغصان الصغيرة اليافعة الظاهرة وكأنها تعانق آباءها وأجدادها من الفروع الكبيرة، لتروي سوية قصة شجرة يصل عمرها نحو ألفي عام أو يزيد.

ورغم أن عوامل كثيرة أدت إلى تلاشي شجرة الزيتون الرومي ورحيلها، فإن كثيرا منها ظلّ صامدا يحكي شموخ الفلسطينيين وصمودهم، ليكون شاهدا على مراحل مختلفة من حياتهم ويروي حكايتهم وحكاية أرضهم.

تكبدنا مشاق السفر، وانطلقنا نحو قرية قوصين -إحدى معاقل هذه الشجرة- غرب مدينة نابلس بالضفة الغربية، بحثا عما تبقى منها لتوثيق حكاياتها ممن عايشوها وما زالوا.

وهناك التقينا بالشاب فارس جبر (30 عاما) الذي روى لنا مرحلة بسيطة امتدت لثلاثين عاما عايشها هو وعائلته مع الزيتون الرومي.

يقول فارس إنه منذ وعيه على الدنيا وهو يفلح وعائلته هذه الأشجار ويعتني بها، "فهي تحتاج إلى عناية تفوق نظيراتها من أشجار الزيتون العادية، كطريقة الحراثة والتقليم وحتى قطف الثمار".

أما مردودها الاقتصادي فهو كبير، إذ إن بإمكان الشجرة الواحدة طرح كمية تساوي خمسة أضعاف الشجرة العادية، و"تصل إلى نحو 60 كلغ من الزيت الصافي أحيانا"، ويُعرف زيتها بجودته العالية التي تقلُ منافستها.

ثلاثون عاما قضاها فارس وأسرته
في رعاية أشجار الزيتون الرومي (الجزيرة نت)

وبشيء من الحسرة ينظر فارس إلى ما تبقى من أشجار الزيتون الرومي في قريته، ويُعزّي نفسه بما تبقى منها، فأعدادها تراجعت نتيجة لقلة الاهتمام وجهل المواطنين بأهميتها وطرق العناية بها، والأهم اعتداءات الاحتلال التي لا تنتهي بحقها.

لكن وقبل الاحتلال استهدفت الدولة العثمانية هذه الشجرة، وفقا لما نقله المواطن رضوان أبو ليلى (48 عاما) عن أجداده وكبار القرية، حيث عمدت السلطات التركية إبّان تشغيلها لخط سكة حديد الحجاز إلى قطع أشجار الزيتون الرومي لاستخدامها كوقود بدلا من الفحم، خاصة خلال الحرب العالمية الأولى.

وقال أبو ليلى للجزيرة نت إن أعدادها تراجعت في السنوات الأخيرة، ولم يبق سوى أقل من خمسين شجرة في القرية.

مؤامرة الاحتلال
ويختلف الأثريون والباحثون في عمر هذه الشجرة، وهل ترتبط فعلا بالحقبة الرومانية واحتلالهم لفلسطين قبل أكثر من ألفي عام، لكنهم يتفقون على أنها شجرة ارتبط تاريخها بالشعب الفلسطيني ووجوده على هذه الأرض.

ويقول المؤرخ الفلسطيني جوني منصور إنه وفقا لبعض الروايات فإن الرومان أحضروا فعلا هذه الشجرة من بعض المناطق التي احتلوها وزرعوها بفلسطين، أين وجدت مناخا ملائما وخاصة الجبلي منه في الجليل ونابلس، وتميزت بأنها تعيش طويلا.

وترمز الشجرة بالنسبة للفلسطينين إلى التاريخ والثقافة والصمود كما يقول منصور، فأوراقها خضراء لا تسقط، وجذورها راسخة في الأرض، وهي شجرة معمرة تؤكد أن الشعب الفلسطيني هو الأصيل في هذه البلاد.

ويضيف "حتى لو اقتلعت من أرضها تسهل زراعتها في مكان آخر لتنبت وتستمر في الحياة، وهي بالتالي رمز للبقاء والنضال".

ولفت منصور إلى أن حجم المؤامرة على هذه الشجرة كبير جدا، فالتآمر يشتد على الفلسطيني كبشر وثانيا كشجر، "فالاحتلال الإسرائيلي ينظر إليهما كغريم وعدو يجب التخلص منه".

ضرغام فارس تحدث عن سرقة لأشجار الزيتون الرومي وزراعتها في المستوطنات (الجزيرة نت)

سرقة احتلالية
وليس هذا فحسب، فالاحتلال عمل فعلا على قلع هذه الأشجار وسرقتها وزراعتها داخل مستوطناته، كما سرق حجارة المنازل القديمة ومعاصر الزيتون الحجرية الأثرية، كي تعطي انطباعا بأن المستوطنات قديمة ومسكونة منذ آلاف السنين كنوع من التزوير، ونوع من التعبئة الفكرية والثقافية لأبنائهم.

ويؤكد المدير بوزارة السياحة والآثار ضرغام فارس أنهم ضبطوا فعلا عمليات سرقة لشجر الزيتون الرومي ينفذها المستوطنون، وأن أبرزها كان خلال تشييد الجدار الفاصل وتوسيع المستوطنات.

ويسعى المسؤولون إلى التصدي لخطرين يقعان على هذه الشجرة: أحدهما الاحتلال ومستوطنوه، والثاني خطر عشوائية البناء الفلسطيني.

وأضاف أنهم يتفهمون حاجة المواطن للبناء مثلا، لكنه طالب المواطنين في حال الاضطرار لقلع شجرة  بإعادة زراعتها في مكان آخر، وعدم السماح بخروجها خارج حدود السلطة.

المصدر : الجزيرة