محتجون سلفيون أمام مجلس حقوق الإنسان بالرباط في مايو/أيار 2013 (رويترز-أرشيف)

عبد الجليل البخاري-الرباط

انقضت عشر سنوات كاملة على أحداث 16 مايو/أيار بالدار البيضاء التي حملت فيها الدولة المغربية المسؤولية لما يوصف بتيار السلفية الجهادية، وما تبع ذلك من إصدار قانون للإرهاب ومتابعات قضائية في حق المحسوبين على هذا التيار، قبل أن تبدأ مؤخرا مؤشرات توصف بأنها توجه لطي هذا الملف.

وتجسد هذا التوجه على الخصوص في انضمام عدد من رموز تيار السلفية الجهادية، من ضمنهم امرأة إلى حزب النهضة والفضيلة الإسلامي الذي يتزعمه محمد الخالدي، وتواتر الحديث عن بداية مفاوضات وصفت بالسرية بين عدد من معتقلي التيار ومسؤولين من وزارة العدل.

وتطرح المبادرات الأخيرة تساؤلات حول مدى إستراتيجية السلطات المغربية في إقفال هذا الملف، الذي يرى عدد من المتتبعين أن أبعاده أصبحت حقوقية أكثر منها سياسية، ومدى تجاوب الأطراف المعنية مع ذلك.

 إدريس الكنبوري: قضية ما يعرف بالسلفية الجهادية ذات أبعاد متحولة (الجزيرة نت)

وفي هذا الإطار اعتبر محمد عبد الوهاب رفيقي المعروف بالشيخ أبو حفص -الذي يعد أبرز الرموز السلفية التي انضمت لحزب النهضة والفضيلة- أن طي هذا الملف يشكل أهم الإشارات التي يمكن أن تعطيها الدولة للتدليل على رغبتها الحقيقية في تحقيق الإصلاح والتغيير.

ورأى أبو حفص أن الإشكالات المحيطة بهذا الملف تجعله متأرجحا بين المقاربة الأمنية والقانونية، إضافة إلى تأثير معطيات خارجية على غرار تطورات الملف السوري وتوجه كثير من الشباب المغربي للقتال ضمن صفوف المعارضة المسلحة السورية، مما يجعل الأمنيين متحفظين -يضيف أبو حفص- على أي محاولة "انفراج وإنهاء لهذا التوتر" بشأن الملف.

ملف المعتقلين
وذكر أبو حفص في تصريح للجزيرة نت أن من أولويات اختيارهم دخول العمل السياسي هو الاشتغال على ملف المعتقلين خصوصا الإسلاميين، مشيرا إلى أن حزب النهضة والفضيلة له سابقة جيدة في التعامل مع الملف، ونقل صوت المعتقلين فيه للجهات المسؤولة.

وأكد أن هناك تواصلا مستمرا مع وزير العدل للبحث بشكل مشترك عن مخرج لهذا الملف وإغلاقه نهائيا، داعيا فعاليات المجتمع المدني لجعله "مطلبا وطنيا ليكون الضغط أكثر فعالية وتأثيرا".

من جهته أوضح الإعلامي المغربي إدريس الكنبوري -المتخصص في ملفات الإسلام السياسي بالمغرب- أن قضية ما يوصف بالسلفية الجهادية في المغرب ذات "أبعاد متحولة"، قائلا إن هذا التيار غيّر العديد من مواقفه تجاه العمل السياسي والحزبي انطلاقا من التحولات الأخيرة التي حصلت في العالم العربي.

وأعرب الكنبوري في تصريح للجزيرة نت عن اعتقاده بأن الدولة اختارت منذ فترة منهج التدرج في طي هذه الصفحة، قائلا إنها بدأت بالإفراج عن عناصر محسوبة على التيار "عربونا عن حسن نوايا تجاهه ومن أجل إرساء الاستقرار السياسي في البلاد".

واعتبر أن انضمام بعض السلفيين إلى حزب النهضة والفضيلة يندرج ضمن محاولات هذا التيار لتطبيع نفسه مع العمل السياسي القانوني، لكنه لم يستبعد أن يكون قرار الحزب بقبول تلك العناصر تم بتنسيق مع الدولة، على أساس أن الحزب يسعى لتعزيز مشروعية انتمائه إلى التيار الإسلامي بالمغرب، والدولة ترغب من جهتها في ترتيب مشهد الإسلام السياسي بالبلاد.

محاولة تدجين
ومقابل هذا التوجه أعرب الناطق باسم اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين أنس الحلوي عن اعتقاده بأن خطوة انضمام رموز سلفية إلى العمل السياسي الحزبي تندرج في إطار "محاولة تدجين الدولة لبعض المحسوبين على التيار من خلال مقاربتها الأمنية".

أنس الحلوي: لا وجود لحوار جدي لطي ملف المعتقلين الإسلاميين (الجزيرة نت)

وقال الحلوي في تصريح للجزيرة نت إن الخطوة تمثل أيضا محاولة لسحب البساط من حزب العدالة والتنمية، الذي كان يتبنى الملف قبل قيادته للحكومة، بعد أن أظهر -حسب قوله- عدم قدرته على تحقيق مطالبه التي كان ينادي بها عندما كان في المعارضة، ومن أبرزها المطالبة بفتح تحقيق نزيه وتحديد المتورطين الفعليين في أحداث 16 مايو/أيار 2003.

واستبعد الحلوي في هذا الإطار إمكانية أن يؤدي انضمام سلفيين لحزب سياسي إلى طي الملف نهائيا، مستدلا على ذلك بكون الحزب الذي أقدم على ذلك لا يمتلك آليات الضغط من أجل الحل المنشود.

أما بخصوص ما تحدثت عنه بعض المصادر الصحفية حول اللقاءات التي يعقدها في الآونة الأخيرة بعض المسؤولين من وزارة العدل مع مجموعة من المعتقلين الإسلاميين، فقال الحلوي إنها لا تعدو أن تكون زيارات روتينية، واعتبر أنه لا وجود لحوار جدي لطي ملف المعتقلين الإسلاميين.

وشدد الناطق باسم اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين على أن حل الملف يجب أن يكون شاملا لجميع المعتقلين من خلال إشراك طرفين أساسيين هما المعتقلون أنفسهم والأجهزة الأمنية وكذا الاعتراف بالانتهاكات الجسيمة التي مورست في حق المعتقلين ومحاسبة المتورطين في ذلك.

وكانت السلطات المغربية وقعت في 25 مارس/آذار 2011  اتفاقا نص على الإفراج على المعتقلين الإسلاميين عبر دفعات وتمتيعهم بكافة حقوقهم كمعتقلين سياسيين إلى حين الإفراج عنهم.

المصدر : الجزيرة