مقر الحرس الجمهوري شهد مجزرة راح ضحيتها أكثر من 50 قتيلا من مؤيدي مرسي (الفرنسية)

مصطفى رزق

وصل المشهد السياسي في مصر إلى درجة عالية من التعقيد، وسط استمرار حالة الانقسام الحاد في المجتمع، وتمسك فرقاء السياسة بمواقفهم. يأتي ذلك مع سقوط قتلى وجرحى بالمئات، الأمر الذي يهدد بانزلاق البلاد إلى سيناريو الفوضى وعدم الاستقرار، حسب ما يتخوف منه محللون.

عقب عزل الجيش للرئيس المنتخب محمد مرسي وتعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا في منصب رئيس الدولة، بدأت الخلافات سريعا بين القوى التي أيدت خطوة الجيش، وبدا ذلك واضحا في مواقف حزب النور السلفي وحركة تمرد وجبهة الإنقاذ الوطني على اختيارات رئيس الحكومة، وقرار حل مجلس الشورى، والإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس المؤقت.

بدورها، رفضت جماعة الإخوان المسلمين -التي ينتمي إليها مرسي- التعامل مع من وصفتهم "بالانقلابيين"، وتمسكت بمطالب عودة الرئيس مرسي إلى كرسي الحكم، مستندة إلى الشرعية الدستورية لكونه رئيسا منتخبا، كما رفضت دعوة للحوار مع الجيش.

هذا الوضع المتشابك -في ما يبدو- كان الدافع وراء دعوة المصالحة التي وجهها الرئيس المؤقت عدلي منصور إلى جميع الأطراف الفاعلة لتحقيق تعايش بين أبناء الوطن وتجنب الفتن.

فوزي: يجب اعتراف الإخوان بأن
نظام مرسي لن يعود (الجزيرة-أرشيف)

المصارحة أولا
يرى الكاتب والباحث السياسي سامح فوزي أن الدعوة إلى المصالحة ضرورية، لكنها جاءت متأخرة في ظل حالة الاستقطاب الحاد الذي جعل من الصعوبة وضع إطار يضم الطرفين المتصارعين معا.

وأضاف فوزي للجزيرة نت أنه لكي تحدث المصالحة هناك عدة متطلبات: أهمها إطلاع الرأي العام في مصر عما حدث خلال العامين الماضيين، وكشف المسؤول عن سقوط القتلى في الأحداث التي شهدتها البلاد خلال هذه الفترة.

وأكد أنه على كل فصيل سياسي أن يتخلى عن منهج الإقصاء المتبع في نظرته للآخرين، وهو منهج دائما ما ينتهي بالفشل، وهو ما أكده العام الأول من حكم مرسي حسب قوله، داعيا في الوقت نفسه مؤيدي الجيش إلى التخلص من "نشوة النصر" والعمل على الاتفاق على نظام سياسي يضم الجميع.

وشدد على أن المصالحة لا تعني المساومة وإبرام الصفقات بين القوى السياسية، بل يجب أن تكون بناء على نظام سياسي ديمقراطي حقيقي، إلا أنه يرى أن مواقف كافة الأطراف تدفع إلى حالة "اللامصالحة"، معتبرا أن على الإخوان المسلمين الاعتراف بأن نظام مرسي لن يعود، وفي المقابل على الطرف الآخر تأكيد أن رحيل مرسي لا يعني استبعاد الجماعة من المشهد السياسي.

واستبعد فوزي أن تؤدي الأحداث في مصر إلى حرب أهلية لأن التيار الإسلامي يعي جيدا أن الخاسر على أرض الواقع وأمام المجتمع الذي لن يبحث في أسباب اللجوء إلى العنف، بل سينتقد فقط النتائج التي تمس حياته بشكل مباشر.

العصا والجزرة
من جانبه، يرى الباحث السياسي حسن القشاوي أن جماعة الإخوان المسلمين يجب أن تتعامل مع الأزمة الحالية بسياسة "العصا والجزرة"، بحيث يكون لديها هامش للتفاوض، محذرا من أن استمرار التصعيد قد يضر الإخوان والتيار الإسلامي أكثر مما ينفعه.

وقال القشاوي للجزيرة نت إن مجرد الحديث عن المصالحة والتسريبات التي تقول إنه سيعرض على التيارات الإسلامية مناصب وزارية لا يكفي، والمطلوب هو قدر من رد الاعتبار للإخوان والرئيس المعزول محمد مرسي، وضمانات حقيقية بوقف الملاحقة، والأهم وقف "الإرهاب الفكري" للإخوان، غير أنه استبعد قبول الطرفين بذلك بما يعني أن يظل الوضع في حالة اشتعال.

وأوضح أن على الإخوان إدراك أن أخطر ما حدث في مصر بعد عزل مرسي هو "انتهاء فكرة دولة القانون والحريات، وعودة الدولة العميقة بقوة"، لذلك عليهم إبقاء مساحة للحوار والتفاوض للحصول على أكبر قدر من المزايا، والتعهد بعدم الإقصاء، ووقف هجوم ماكينة الإعلام عليهم.

ويطرح القشاوي سيناريو لذلك من خلال الاتفاق على إعلان مرسي التنازل عن وضعه كرئيس شرعي، مقابل تعديل الإعلان الدستوري بما يضمن الحريات، وعدم إقصاء الإسلاميين وأن يكون لهم دور في وضع الدستور، مع الأخذ في الاعتبار الهوية الإسلامية.

عبد العال: مؤيدو مرسي
لن يقبلوا
بأقل من عودته إلى الحكم (الجزيرة)

أوراق ضغط
في المقابل، استبعد الباحث في شؤون الحركات الإسلامية علي عبد العال قبول المعتصمين بمئات الآلاف في ميادين القاهرة وغيرها من المحافظات بأقل من عودة الدكتور مرسي إلى الحكم، بحيث يقرر هو خارطة الطريق الموضوعة.

وأضاف عبد العال للجزيرة نت أن فكرة المصالحة وفق "لا غالب ولا مغلوب" باتت بعيدة المنال، مشيرا إلى أن وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي وقيادات الجيش باتوا يشعرون بأن عودة الإخوان إلى الحكم خطر كبير على وجودهم وبقائهم، وفي الناحية الأخرى فإن الإخوان ومعهم باقي الأحزاب الإسلامية -عدا النور- رافضون لأي مشاركة في حوار مع من يسمونهم "الانقلابيين".

وحول أوراق الضغط يؤكد عبد العال أنها ما زالت كثيرة بيد التحالف الإسلامي الذي اقتصر حتى الآن على الاعتصام في الميادين، معتبرا أن الوقت يعد مسألة حاسمة للطرفين في ضوء تأثير الأزمة على الوضع الاقتصادي والأمني، فضلا عن الضغوط الخارجية، والفريق الذي لديه القدرة على الاستمرار في موقفه سيكون الفائز.

المصدر : الجزيرة