جامع الجزار أضخم مساجد عكا وفيه تقام خطبة الجمعة المركزية (الجزيرة نت)
وديع عواودة-عكا
 
عكا مدينة فلسطينية عريقة تروي مساجدها سيرتها التاريخية منذ فتحها في العصر الأموي، وهي اليوم تساهم في تثبيت هويتها العربية الإسلامية مقابل مخططات إسرائيلية لتهويدها.

عكا المغرقة في القدم بها آثار للكنعانيين والفينيقيين، وظلت مدينة مزدهرة ومركزية في بلاد الشام طيلة فترات إسلامية مختلفة بفضل موقعها ومينائها وحصانة أسوارها.

ووضعت نكبة 48 حدا لازدهارها بعد احتلالها واستمرار تهميشها من قبل السلطات الإسرائيلية التي بنت بجوارها عكا اليهودية بهدف تضييق الخناق على عكا التاريخية.

لكن مساجد عكا الكثيرة تحفظ مكانتها التاريخية وتشهد على عراقتها ومركزيتها، مثلما تساهم في زيادة رونقها بفضل ملامحها الفنية والهندسية المتنوعة والجميلة وتصون هويتها العربية الإسلامية.

عراف: ازدهرت عكا منذ قرر معاوية بن أبي سفيان تحويلها إلى حوض لبناء السفن (الجزيرة)
جامع الجزار
يعتبر جامع الجزار أهم مساجد عكا لضخامته وعلو وجمال قبته الخضراء، وهو يبدو حارسا للمدينة وهويتها، وفيه تقام خطبة الجمعة المركزية في المدينة.

بني المسجد في القرن الثامن عشر على يد حاكمها الأبرز خلال الحقبة العثمانية المتأخرة، أحمد باشا الجزار الذي يدلل لقبه على شدة بأسه.

يأخذ المسجد المبني على الطراز العثماني وفي ساحته ضريح بانيه، شكلا مستطيلا جلبت حجارته من خرائب قيسارية وعتليت في فلسطين.

ويشير الباحث في شؤون عكا نظير شمالي إلى أن الغرف المحيطة بالمسجد استخدمت مأوى لطلاب العلم ممن درسوا في مدرسة الأحمدية حتى العام 1948، وهي مدرسة هامة خرجت أجيالا من المثقفين الفلسطينيين.

أسعد الشقيري
شمالي الذي يدأب على الصلاة فيه منذ 25 عاما، يوضح للجزيرة نت أن مسجد الجزار يستمد عظمته أيضا من وجود عدة شعرات من ذقن الرسول صلى الله عليه وسلم كان السلطان عبد الحميد الثاني قد أهداها للشيخ أسعد الشقيري عضو مجلس "المبعوثان" العثماني ووالد الرئيس الراحل لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد الشقيري، وهي محفوظة في صندوق زجاجي.

ويتفق المؤرخ والجغرافي شكري عراف في رده على سؤال الجزيرة نت مع شمالي بدور المسجد في حماية هوية المدينة وأجيالها، منبها إلى أن ملابسات بنائه والأحداث المرتبطة به كالاحتفاظ "بشعرات النبي الكريم" تحفظ للمدينة عمقها العربي الإسلامي، وتحميها من محاولات العبث بتاريخها وهويتها اليوم.

كما في بقية المساجد، وثقت عملية بناء مسجد الجزار بأبيات شعرية محفورة على لوحة رخامية في واجهته:
ومسجد حرم وبيت آمن        فيه الوقار ولاحت الأنوار
عمد الوزير مرصدا لبنائه    عملا بقول المصطفى المختار

 مسجد المجادلة بني في القرن التاسع عشر
على يد الوالي سليمان باشا (الجزيرة نت)

المجادلة والزيتون
وبفضل مينائها وتوفر موارد المعيشة فيها يكثر وفود الأهالي من بقية مدن وقرى فلسطين وسوريا ولبنان والأردن إليها، وبعضهم استقر فيها كما يدلل مسجد المجادلة الذي بني على يد والي المدينة سليمان باشا العادل في حي المجادلة القادمين من مدينة مجدل عسقلان خلال القرن التاسع عشر.

ويعتبر مسجد الزيتون نسبة إلى الأشجار المحيطة به أقدم من بقية المساجد المذكورة، إذ يعود إلى الفترة العثمانية عام 1745، لكنه يقوم على أنقاض مسجد أموي من القرن الثامن الميلادي، وتتوسط باحته نافورة مبنية على الطراز المعماري السلجوقي.

ويشير عراف للجزيرة نت إلى أن المدينة شهدت ازدهارا عمرانيا وبناء عدة مساجد بعدما قرر معاوية بن أبي سفيان تحويلها إلى دار صناعة وحوض لبناء السفن.

ويتابع "يمتاز المسجد بلمسات فنية فاطمية كانت تعتمد في مساجد المغرب العربي، وكان طيلة عقود مقرا للشيخ علي نور الدين اليشرطي مؤسس الطريقة الشاذلية في القرن التاسع عشر".

أما مسجد الميناء فشأنه كشأن مسجد الزيتون، إذ سبق أن حوله الصليبيون إلى كنيسة قبل استرداده على يد المماليك في القرن الثاني عشر الميلادي، وهو من أوائل دور العبادة في المدينة ويقوم بمحاذاة ساحل البحر الأبيض المتوسط.

ويدلل الشمالي على عراقة المسجد الذي يشبه الجزار في تصميمه الخارجي والداخلي، بالإشارة إلى كثرة تسمياته في الفترات المتتالية التي شهدت ترميما له كمسجد البحر، ومسجد سنان نسبة إلى بانيه المهندس العثماني الشهير سنان باشا، وجامع الجرينة.

مسجد الزيتون من أقدم مساجد عكا
ويقع على ساحل البحر المتوسط (الجزيرة نت)

ظاهر العمر
ووثق ظاهر العمر الزيداني (1695-1775) أحد أبرز حكام فلسطين سيرته بعدة مشاريع عمرانية، منها مسجده الذي يحمل اسمه في مقره بعكا مثلما يتجلى في لوحة رخامية كتبت عليها أبيات شعرية ظريفة وسنة البناء 1161 للهجرة.

لكن الظاهر عمر دفن في مسجد آخر يدعى مسجد الرمل المعروف بالجامع الشعبي أو الشهابي، وقد بني عام 1704 على أسس كنيسة صليبية، وهو كبقية المساجد له أوقاف كثيرة صادرتها إسرائيل غداة الاحتلال.

أما مسجد البرج فبني على الأسوار العملاقة للمدينة لخدمة حاميتها العثمانية، لكنه يستخدم اليوم مدرسة لتحفيظ القرآن.

وكان الاحتلال قد أغلق بعض مساجد عكا لسنوات طويلة ومنها مسجد اللبابيدي الذي سمح بترميمه وفتحه للصلاة في العام الماضي فقط، بعد نضال عنيد خاضه أهالي عكا الذين يعدون اليوم نحو ثلاثين ألف نسمة.

المصدر : الجزيرة