مجموعة من الأفارقة الراغبين في الهجرة يتجمعون في حي أكرا بمدينة نواذيبو (الجزيرة نت)

أمين محمد-نواذيبو

عمر إنجاي شاب سنغالي معلق قلبه بالقارة الأوروبية، لا يجد لنفسه عيشا ولا قرارا إلا فيها، حاول ما أسعفه الجهد والطاقة الوصول إليها، وركب قوارب الموت إليها مرتين، وبذل الغالي والنفيس في تحقيق ذلك الحلم العاثر الذي يبدو اليوم أبعد تحققا من أي وقت كان.

كانت أول محاولة قام بها عمر إنجاي للهجرة نحو أوروبا في بداية عام 2006 برفقة عشرات الشباب الأفارقة، وقد تمكنوا من الاقتراب من السواحل الإيطالية، غير أن محرك القارب تعطل فجأة في المنطقة الخطأ، وأصيب جميع ركابه -وكانوا في حدود الـ150 مهاجرا- بالارتباك والهلع، فالتراجع لم يعد ممكنا، والتقدم بات مستحيلا، وخشي الجميع من موت محقق، ولكن خفر السواحل الإيطالية انتبهوا للقارب حيث تم اقتياد الجميع وإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.

يقول إنجاي إنه بعد إعادته إلى السنغال بدأ التفكير برحلة جديدة وقد فتحت له الأولى بابا من الأمل، وإن كانت أصابته بمزيج من الخوف والقلق، وبعد ستة أشهر تقريبا كانت الرحلة الثانية، حيث تمكنوا هذه المرة من الوصول إلى جزر الكناري الإسبانية، ولكن السلطات الإسبانية ألقت عليهم القبض وأعادتهم إلى بلدانهم.

يعيش الشاب السنغالي الثلاثيني الآن مع مجموعة من الشباب الأفارقة في حي فقير بمدينة نواذيبو شمالي موريتانيا يسمي حي "أكرا"، يسكن الجميع في بيت متواضع، وبطبيعة الحال فهم لا يعترفون صراحة بأنهم يخططون للهجرة سرا من تلك المدينة إلى أوروبا، ولكن الجميع في تلك المدينة -التي ارتبط اسمها في السنوات الأخيرة بقصص الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا- يدركون جيدا أنهم يتربصون الدوائر ويبحثون عن فرصة لعبور مياه الأطلسي نحو "الفردوس الأوروبي".

المهاجر السنغالي عمر إنجاي يحلم بالعيش في أوروبا (الجزيرة نت)

بيد أن إنجاي يؤكد أن أوروبا ستبقى في قلبه، ولكنه لن يجرب الموت مرة أخرى من أجلها، يضيف: إذا حصلت على تأشيرة فأنا جاهز، عدا ذلك لن أحاول أبدا، أبدا.

تراجع
ورغم أن مدينة نواذيبو لم تعد كما كانت معبرا سهلا ومثاليا للهجرة نحو أوروبا، فإن شوارعها ما زالت تعج بمئات الشباب الأفارقة الحالمين بالهجرة نحو أوروبا، وخاصة حي "أكرا" الذي صار يحمل اسم العاصمة الغانية "أكرا"، بعد أن كان في السابق يسمى حي "الغيران" لكثرة سكانه الأفارقة.

ويعتبر التنسيق الأمني بين موريتانيا وإسبانيا أحد أبرز عوامل انخفاض معدلات الهجرة نحو أوروبا، حيث تصاعدت وتيرة هذا التنسيق ووصلت إلى مستويات غير مسبوقة، وتم إنشاء مركز أمني للتنسيق بين البلدين، وتبادل الطرفان زيارات مكوكية ودورات تكوينية، كما قدمت إسبانيا مساعدات لوجستية للطرف الموريتاني.

ويقول القائد المساعد لخفر السواحل الموريتانية سيدي أحمد ولد صمباره للجزيرة نت إن خفر السواحل يكثفون دورياتهم وأنشطتهم الرقابة على طول الشواطئ الموريتانية التي تبلغ طولا 700 كلم، وعرضا 200 ميل بحري، حيث تتطلب مراقبة آنية ومستمرة وتفرض تحديات كثيرة.

خفر السواحل
وفي إشارة إلى موضوع جهود خفر السواحل في محاربة الهجرة غير الشرعية قال إن خفر السواحل يقومون بالسهر على تطبيق كل الالتزامات التي تكون موريتانيا فيها طرفا، بما في ذلك مكافحة أشكال التهريب بما فيه تهريب البشر، ويقومون في سبيل ذلك بمراقبة حركة السفن، وتفتيشها إن تطلب الأمر.

بعض القوارب الصغيرة التابعة لخفر السواحل في دورية بالمحيط الأطلسي (الجزيرة نت)

وأشار إلى أنه لتحقيق تلك المهمة اقتنت موريتانيا مؤخرا سفينة كبيرة تسمى آوكار بطول 62 مترا، وبسرعة عشرين عقدة بحرية، ووزن 572 طنا، وكلفت الحكومة الموريتانية عشرة ملايين يورو، ويبلغ طاقمها 33 فردا، وتحمل على متنها ثلاثة زوارق سريعة للقيام بمهام المطاردة في أعالي البحار، وتمتلك نظام اتصالات متطورا مرتبطا بالأقمار الاصطناعية وقادرا على التواصل مع الطائرات، وهي قادرة على البقاء لفترة أطول في البحر، وتمتلك صندوقا أسود على غرار الصناديق الموجودة في الطائرات.

وتشهد الهجرة غير الشرعية تراجعا كبيرا في معدلاتها، وسجل أكبر تراجع لها في العام 2010 حيث تم إلقاء القبض على أربعة أشخاص فقط، في حين زادت الأعداد في السنتين التاليتين، علما بأن النسبة الأعلى تم تسجيلها في العامين 2005، 2006.

وفي السنوات الأخيرة شهدت معدلات الهجرة غير الشرعية من مدينة نواذيبو تراجعا في معدلاتها وكانت قد وصلت إلى ذروتها في 2006 حيث تم تسجيل نحو أربعة آلاف حالة، ونحو 3600 حالة في عام 2007، ونحو 2800 عام 2008 ثم تراجع في العام الموالي 2009 ليصل إلى نحو 1500 حالة، ولم يتم القبض في العام 2010 إلا على أربع حالات، ثم عادت الأرقام إلى الارتفاع مجددا -وإن بشكل طفيف- في العامين التاليين 2011، 2012.

ويشير الصحفي المتابع لشؤون الهجرة السرية ألفغ ولد الشيباني إلى أن الأوروبيين تعاطوا باستغلال مع مشكلة الهجرة السرية، حيث قاموا بتصديرها إلى دول الضفة الأخرى، وجعلوا من حكومات هذه الدول حرس حدود، وتعاطوا بعدم إنسانية مع المهاجرين أحياء بإذلالهم وإيوائهم في ظروف غير جيدة، وأمواتا بالتعاطي السيئ مع جثثهم.

المصدر : الجزيرة