بيروت.. ذاكرة طالها النسيان
آخر تحديث: 2013/6/30 الساعة 04:35 (مكة المكرمة) الموافق 1434/8/22 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/6/30 الساعة 04:35 (مكة المكرمة) الموافق 1434/8/22 هـ

بيروت.. ذاكرة طالها النسيان

إحدى البنايات الأثرية في منطقة الأشرفية ببيروت (الجزيرة)

هشام ناسيف-بيروت

تعد العاصمة اللبنانية بيروت إحدى أقدم مدن لبنان من حيث النشأة، إذ يعود تاريخها إلى نحو خمسة آلاف سنة مما جعلها تزخر بموروث حضاري وعمراني هام بلغ أوجه في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني الذي غير وجه المدينة وارتقى بها لتصير -حسب المختصين- إحدى أجمل المدن في غرب حوض البحر الأبيض المتوسط.

لكن توالي الأزمات السياسية وآخرها الحرب اللبنانية التي اندلعت منتصف سبعينيات القرن الماضي, وجشع أباطرة العقار وغياب الاهتمام الرسمي، كل ذلك غيّر ملامحها بشكل كبير وأضحت أبنيتها الأثرية لا تتجاوز الألف بناء مهددة في أي لحظة بخطر التدمير والزوال.

تأسست بيروت على يد الفينيقيين الذين سعوا عبر بناء حواضر ومدن على الساحل اللبناني للتواصل تجاريا مع مختلف أنحاء حوض البحر المتوسط، لكنها لم تكتسب أهميتها وصيتها إلا في العهد الروماني عندما حولها الرومان إلى مركز حضاري مهم أسسوا فيه أول جامعة للحقوق في التاريخ، لذلك عرفت المدينة بأنها "أم الشرائع".

كنيسة الأرمن في بيروت (الجزيرة)

وتعرضت بيروت كباقي المدن الساحلية عبر التاريخ -وخاصة خلال الحقبة البيزنطية- إلى الكثير من الزلازل التي دمرت أبنيتها، لذلك لم يتبق من تاريخها الغابر سوى القليل الذي يعثر عليه بين الفينة والأخرى تحت أديم الأرض.

المسجد العمري
ويرى الأستاذ بمعهد الفنون الجميلة والعمارة بالجامعة اللبنانية خالد عمر تدمري أن أقدم أثر عمراني يوجد اليوم في بيروت هو "المسجد العمري الكبير" الذي كان -حسب بعض الروايات التاريخية- كنيسة بيزنطية، ومن ثم تحول إلى جامع مع الفتح الإسلامي الأول، ثم في الفترة الصليبية أعيد استخدامه ككنيسة، ثم حوله المماليك مجددا إلى جامع.

يضاف إلى ذلك منطقة "الأشرفية" التي سميت كذلك نسبة إلى السلطان العثماني الأشرف خليل بن المنصور قلاوون الذي حررها من الصليبيين. ومكّنت جولة للجزيرة نت داخل أحيائها من الوقوف على عديد الأبنية التراثية التي تحولت إلى مساكن مهترئة من فرط الإهمال, أو محال تجارية محيت ملامحها العمرانية المميزة بشكل كبير.

وكانت بداية النهضة العمرانية للمدينة -حسب تدمري- بتوسيع مرفئها خلال العهد العثماني لإيصال قطع الحديد التي ستستعمل لتمديد "الخط الحديدي الحجازي" الذي قامت به الدولة العثمانية بهدف تسهيل وصول الحجاج إلى بيت الله الحرام من إسطنبول ومن كل أطراف الدولة العثمانية.

ساحة الشهداء
ومع هذا التنظيم تأسست أول ساحة في المدينة وهي التي تعرف اليوم باسم "ساحة الشهداء"، وكانت هي "الساحة الحميدية" التي تتوسطها حديقة منظمة انتشرت حولها الأبنية الإدارية الأولى كالسراي الحكومي والمستشفى العسكري ومبنى البريد والتلغراف ومبنى مصلحة المياه ومبنى إدارة المرفأ.

أبنية أثرية في منطقة الأشرفية (الجزيرة)

أما المساجد فكان هناك عدد كبير منها، بالإضافة إلى المدارس الدينية، ومن أهمها مساجد لا تزال موجودة حتى الآن كمسجد "النوفرة" أو مسجد الأمير منذر التنوخي، ومسجد الأمير منذر عساف، ومساجد "البسطة" و"رأس النبع" و"عين المريسة" وغيرها.

يضاف إلى ذلك عدد كبير من الكنائس التي تمثل كل الطوائف المسيحية الموجودة في لبنان -وهي أكثر من عشر طوائف- سمحت ببنائها الدولة العثمانية بإذن خاص، دون أن يكون هناك أي تشدد في هذا الأمر، حسب المختصين.

ويرى تدمري أن عمارة بيروت تضررت وتشوهت بشكل كبير خلال الأعوام المائة الأخيرة، وربما لا توجد مدينة تغير وجهها أكثر من مرة خلال هذه الفترة الزمنية القصيرة مثلما حصل لبيروت.

إعادة الإعمار
وفي هذا السياق تمت إزالة "ساحة الشهداء" ونصب في وسطها تمثال للشهداء، كما هدمت بشكل كامل السراي الحكومية العثمانية, ثم جاءت الحرب اللبنانية وكانت الساحة أحد خطوط التماس فدمرت بالكامل وأصبحت أبنية متآكلة بسبب الرصاص والقذائف.

كما تسبب النزوح السكاني الكبير الذي شهدته المدينة بعدما أصبحت عاصمة للبلاد -حسب تدمري- في ضياع جزء هام من موروثها العمراني، إذ كان لابد أن تتسع المدينة للعدد الكبير من السكان الوافدين (نحو 1.5 مليون شخص تقريبا) وبسبب ضيق مساحتها نظرا لطابعها الجبلي كان البناء عموديا فبدأت عملية بناء الأبراج في كافة مناطقها.

يضاف إلى ذلك التدخلات السياسية وتدخلات أصحاب العقارات وحالة الانفلات التي سادت أثناء فترة الحرب وساهمت في تعميق الإشكالية العمرانية بالمدينة وبروز مظاهر عمرانية مخلة شوهت ملامحها وتناسق مبانيها التراثية.

المصدر : الجزيرة