نصب الجندي التركي المجهول بصنعاء أحد شواهد عمق العلاقة بين اليمن وترك (الجزيرة)

مأرب الورد- صنعاء

تشهد العلاقات بين اليمن وتركيا تحسنا ملحوظا في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية منذ انطلاق الربيع اليمني مطلع عام 2011، والذي كانت تركيا من أوائل الداعمين له بوصفه الطريق الذي مهد لها العودة إلى اليمن لاستعادة أمجاد ماض لا تزال معالمه شاهدة على عمق الارتباط مع هذا البلد.

وبالعودة إلى ذاكرة ذلك الماضي، فإن العلاقة بدأت بين البلدين عام 1543 ميلادية حين قدم جنود الخلافة العثمانية آنذاك إلى اليمن تحت مبرر حمايتها من تهديدات القوى الأجنبية التي كانت موجودة بالبحر الأحمر وخليج عدن، باعتبارها البوابة الرئيسية للأراضي المقدسة في مكة والمدينة.

وخلال تلك الفترة وإلى حين خروج الجنود العثمانيين عام 1900، اصطبغت الحياة في اليمن بصبغة تركية محضة ابتداء من الإدارة ونظام الحكم الذي نقله الولاة الإداريون من إسطنبول، ومرورا بتشييد الحصون والقلاع بالمدن والأرياف، وصولا إلى مرحلة إعمار المنشآت التعليمية والعسكرية والدينية التي لا تزال معالمها قائمة إلى اليوم.

مسار جديد
واتخذ مسار تطوير العلاقات الجديدة بالفترة الأخيرة الجانب الاقتصادي بدرجة أساسية، حيث تم التوقيع على اتفاقية التبادل الجمركي بين البلدين والتي من شأنها تعزيز التعاون وتدفق الاستثمارات والزيارات المتبادلة بين رجال المال والأعمال، وقبلها تم التوقيع في فبراير/شباط الماضي على معاهدة إلغاء تأشيرة السفر بين البلدين. 

 عبد المؤمن: سقوط نظام صالح ساهم في تطوير علاقة اليمن بتركيا (الجزيرة)

ويسعى اليمن، الذي لا تتعدى صادراته إلى تركيا سنويا وفق تقديرات غير رسمية مائة مليون دولار، إلى تقليص هذه الفجوة من خلال تصدير المشتقات النفطية، ولهذا فُتح الباب أمام الشركات التركية للاستثمار في مجال النفط.

في حين تتجاوز الصادرات التركية إلى اليمن أكثر من خمسمائة مليون دولار.

غير أن تطوير العلاقة بين صنعاء وأنقرة لم يخل من تحديات تهدد تحقيق مصلحة الشعبين، وكانت شحنات الأسلحة التي ضبطتها السلطات اليمنية في نوفمبر/تشرين الماضي القادمة من تركيا، أحد الألغام التي دفعت الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي منتصف مايو/أيار الماضي، إلى اتهام أفراد ودول لم يسمها بالوقوف وراء محاولات إلحاق الضرر وإفساد العلاقة بين البلدين الشقيقين.

تحسن العلاقة
ويرجع خبراء وباحثون عوامل تحسن العلاقة بين اليمن وتركيا، إلى وجود رغبة مشتركة لدى مسؤولي البلدين، حيث يرغب اليمن في الانفتاح على الدول الإسلامية ومنها تركيا للاستفادة من تجربتها بعد أن كانت في عزلة في عهد النظام السابق، بينما تريد تركيا إحياء ماضيها واستثمار السوق اليمني لصادراتها المختلفة.

ويرى رئيس مركز دراسات المستقبل د. فارس السقاف أن العلاقات بين البلدين في تطور مستمر لوجود فوائد جمة للطرفين، مشيرا إلى أنه بإمكان تركيا من خلال هذا التعاون أن تستعيد هويتها ودورها خاصة بالدول العربية التي كان لها وجود فيها، وبإمكان اليمن التحرر من احتكار اقتصادات الأقطاب الرأسمالية والاشتراكية بالتوجه لبلد إسلامي.

وقال -في حديث للجزيرة نت- إن التجربة الاقتصادية الناجحة لحزب العدالة والتنمية الحاكم بتركيا أغرت اليمن للاستفادة منها والتوقيع على اتفاقيات تعاون في مجالات التجارة والاستثمار وتنويع مصادر الدعم الاقتصادي من أجل الإفلات من قبضة التأثير القطبي الأحادي.

اصطبغت الحياة باليمن حتى عام 1900 بصبغة تركية محضة، من الإدارة ونظام الحكم وتشييد الحصون والقلاع بالمدن والأرياف، إلى إعمار المنشآت التعليمية والعسكرية والدينية التي لا تزال معالمها قائمة إلى اليوم

دعم تركي
من جانبه أكد الباحث والأستاذ الجامعي د. سعيد عبد المؤمن أن سقوط نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح ساهم في تطوير علاقة اليمن بتركيا بعد أن كان عائقا أمامها، وتجلى ذلك في دعم الحكومة التركية لإنجاح الربيع اليمني وبناء علاقات رسمية وشعبية.

وأشار بحديث للجزيرة نت إلى أن اليمن ينظر لتركيا كبوابة لكسر عزلته نظرا لتمتع الأخيرة بعلاقات واسعة مع أوروبا، إلى جانب تصدير الغاز اليمني إليها، كما أن تركيا يمكنها الاستفادة من السوق اليمني الكبير لتصدير منتجاتها.

وحول التحديات التي تعترض طريق العلاقة مستقبلا، أوضح عبد المؤمن أن الجهات المعادية للتغيير باليمن لا يروق لها تطوير البلاد ولا تحسين علاقاتها مع الآخرين، كما هو الحال بتركيا التي لا تريد بعض القوى العلمانية الانفتاح على المحيط العربي والإسلامي ولا إحياء التاريخ العثماني.

واستبعد عبد المؤمن أن يكون لتهريب شحنات الأسلحة أي تأثير سلبي على العلاقة بين البلدين، لأنها "أسلحة عادية ولا يمكن أن تخل في موازين القوى الداخلية أو تشكل تهديدا للبلاد التي تمتلئ أصلا بالسلاح بمختلف أنواعه".

المصدر : الجزيرة