البلدية غرست آلاف الأزهار في حديقة غيزي (الجزيرة)

محمد أعماري-إسطنبول

قفز اسم حديقة غيزي بمدينة إسطنبول التركية في الأسابيع الأخيرة إلى الواجهة وتداولته وسائل الإعلام، وأصبحت هذه الحديقة أشهر من أخواتها اللائي يعددن بالمئات في مدينة يسكنها نحو 13 مليون نسمة، وتحولت غيزي "رمزا" عند بعض الأتراك، في حين ظلت أخواتها "مجرد متنزهات".

ومثل كثير من الأماكن في العالم، ليس لحديقة غيزي أي خصوصية تاريخية أو رمزية، إلا أن القدر ساق لها أحداثا جعلت كاميرات العالم تتحول نحوها، حتى أصبحت في الأسابيع الأخيرة لا يذكر خبر الاحتجاجات في تركيا إلا مقرونا باسمها.

حديقة رمز
الحديقة افتتحت منتصف الأربعينيات من القرن الماضي، وبدأت تتقلص مساحتها شيئا فشيئا بفعل زحف الفنادق والمباني المحيطة بها، وقضمت منها مساحات على مر السنين، خصوصا أنها في ميدان تقسيم الشهير بكونه مزارا سياحيا يقصده مئات الآلاف من كل بقاع الدنيا.

بلدية إسطنبول: نصيب الواحد من السكان نحو ستة أمتار مربعة من المناطق الخضر (الجزيرة نت)

وفي نهاية مايو/أيار الماضي شهدت هذه الحديقة اعتصاما لناشطين في حماية البيئة، بعدما اقتربت منها جرافات الحكومة في إطار مشروع لتطوير ساحة تقسيم، يقولون إنه كان ينوي تدمير الحديقة وبناء مجمع تجاري مكانها.

تدخلت الشرطة بعنف لإخلاء الحديقة -حسب ما يقول الناشطون- فتطور الاعتصام إلى احتجاجات عارمة عمت عدة مدن تركية وطالبت بإسقاط الحكومة، وتحولت غيزي -التي تضم نحو ستمائة شجرة- من حديقة نكرة إلى "رمز" للبيئة في تركيا، ودخلت قضيتها أروقة المحاكم للبت في أمرها.

الناشط في حماية البيئة إدغار شار، وهو أحد الذين اعتصموا في الحديقة، يقول إنها ليست لها رمزية تاريخية، ولكن "عنف الشرطة" هو الذي حولها إلى "رمز لنضال الشعب التركي".

ويضيف أن أهمية هذه الحديقة تنبع من كونها هي المنطقة الخضراء الوحيدة في محيط ميدان تقسيم، وأن أقرب منطقة خضراء إلى الميدان تبعد عنه نحو ثلاثة كيلومترات، "وهذا ما يجعلها الرئة الوحيدة لهذه المنطقة".

وعلاوة على ذلك فإن هناك دافعا آخر يجعل الحديقة مهمة في نظر إدغار، وهو أنها في نظره أصبحت رمزا للوعي البيئي في تركيا بعد الذي حدث، "ومن الصعب الآن على الحكومة أن تقترب من أي منطقة خضراء أخرى في المستقبل".

ويضيف أنه في واقع يتزايد فيه الاحتباس الحراري والتحولات المناخية، "فإن أي شجرة في مدينتنا تعتبر كنزا ثمينا ولا يجوز التفريط فيها".

جزء من حديقة إميرغان في إسطنبول 
(الجزيرة نت)

أهداف سياسية
السلطات في إسطنبول تقول إن الضجة التي أثيرت بشأن الحديقة لا علاقة لها بالبيئة وحمايتها، وإنما كانت ممرا لأهداف أخرى سياسية وأيديولوجية يريد أن يصل إليها معارضو الحكومة، بحسب رأيها.

بلدية إسطنبول تفيد في إحصاءات مدت بها الجزيرة نت أنها منذ 2004 إلى الآن أنشأت ما لا يقل عن أربعمائة حديقة في أنحاء المدينة، وأن مساحة المناطق الخضر لو قسمت على سكان إسطنبول لكان نصيب الواحد منهم نحو ستة أمتار مربعة.

ويرى أنصار الحكومة في ذلك ردا "مفحما" على من يقولون إنها ضد البيئة، بل إن رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان أكد في خطابات كثيرة أمام أنصاره أن حكومته "بيئية بامتياز"، وأن عدد الأشجار التي غرسها حزبه في كل تركيا منذ وصوله إلى الحكم بلغ نحو مليارين وثمانمائة ألف.

البلدية أيضا، ومباشرة بعد إخلاء الشرطة حديقة غيزي من المتظاهرين ليلة 15 من يونيو/حزيران، باشرت أعمال التنظيف، وأعلنت أنها غرست فيها نحو مائتي ألف زهرة موسمية، ونحو خمسة آلاف وردة ومائة شجرة.
منظر من حديقة غولهاني في إسطنبول (الجزيرة نت)

يلديز وغولهاني وإميرغان، وعشرات من الحدائق الأخرى التي توجد في إسطنبول، تقول الحكومة إنها دليل على أن سياستها تضع البيئة في الحسبان. مساحة بعض هذه الحدائق تعد بالهكتارات، ومنها ما تغير اسمه عبر التاريخ، ومنها ما يحتوي على نافورات وبحيرات وأنهار وجداول اصطناعية.

لكن إدغار يقول إنه لا ينكر وجود بعض الحدائق الجميلة في مدينته، ومع ذلك يؤكد أنه لا يثق في الإحصاءات الرسمية، "فالحديقة بالنسبة للبلدية هي أي مكان يتجمع فيه الناس، حتى لو كان من إسمنت وأحجار.. أن يقولوا حديقة لا يعني بالضرورة أنها منطقة خضراء".

واعتبر أن المناطق الخضراء تتناقص لصالح لوبي اقتصادي وعقاري موال لحزب أردوغان، ويتساءل "إذا كانت هذه الحكومة بيئية بامتياز كما يدعي، فلماذا لم توقع بروتوكول كيوتو؟".

ويبدو أن بعض حدائق إسطنبول ستحظى ولو بقليل مما حظيت به حديقة غيزي من تغطية إعلامية، لأن ناشطي حماية البيئة الذين أخلتهم الشرطة من ميدان تقسيم وحديقته، بدؤوا أنشطة احتجاجية رمزية في حدائق أخرى، وكأن لسان حالهم يقول إن لغيزي أخوات، وإنها ليست وحدها.

المصدر : الجزيرة