في العام 1996 وبعد قرابة عام على تسلمه الحكم، تبنى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مشروع قناة فضائية إخبارية عربية سميت "الجزيرة" التي وعدت جمهورها بالقطع مع إعلام رسمي طالما احتكر الخبر وسخر إمكانياته لخدمة الحاكم وألزمت نفسها في المقابل بشعار "الرأي والرأي الآخر".

وعلى مدى السنوات الـ17 من عمر الجزيرة، قُرنت القناة -التي تحولت لاحقا لشبكة متعدّدة من القنوات واللغات والاختصاصات والمقرّات- بإمارة خليجية صغيرة بحجمها احتلت موقعا مهما على الخريطة العربية والإقليمية.

وشكلت الجزيرة بالنسبة لقطر في ظلّ قيادة جديدة متمثلة بالشيخ حمد آنذاك إحدى نوافذ المستقبل وأدوات اقتناص فرص التحديث والرّيادة في محيط خليجي محافظ، وعربي مستعص على التغيير. إضافة إلى أن الشيخ حمد كان يرى -حين احتضن انطلاقة القناة- وجه العالم والمنطقة يتبدّل على وقع حربي الخليج الأولى والثّانية.

دفاع الأمير
ولم يتبن الشيخ حمد القناة وحسب، بل سوّق القناة الوليدة لدى دول صديقة وشقيقة بأنها "ليست مأمورة" لكن هذه الدول سُرعان ما ضاقت بشعار "الرأي والرأي الآخر"، ولم تجد له من ردّ في بعض الأحيان سوى التضييق على مكاتب القناة وغلقها وغلق سفاراتها لدى الدوحة (مثلما فعلت تونس قُبل الثورة).

الجزيرة لم تعد من وجهة نظر محبيها وخصومها مجرّد شبكة لقنوات فضائية منذ أن تحوّلت إلى ظاهرة ما كانت لتوجد لولا قرار اتخذه أمير قطر بإنشائها والدّفاع عنها رغم كل الضغوط

ومع ذلك، أنجزت الجزيرة تغطياتها المشهودة للانتفاضة الفلسطينية الثانية ولأحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 وما تلاها من حروب في أفغانستان والعراق وكذلك في لبنان وغزة.

لتأتي أحداث الربيع العربي وتكرس الأدوار المتقدمة للقناة في تغطية صوت الشّارع العربي وشرائحه وتعبيراته المهمشة، وتُجدّد في الوقت نفسه السؤال القديم الجديد عن مقدار التداخل بين سياسات قطر وأجندة الجزيرة.

هذا السؤال لاقى أجوبة متباينة، الفريق الأول يقول "إن أجندة الجزيرة -الممولة والتابعة لقطر- تتأثر بتحالف الدوحة مع واشنطن المستضيفة لقاعدة العديد العسكريّة الأميركية، إضافة لعلاقاتها المتقلبة مع تل أبيب".

في حين يرى آخرون في التداخل بين سياسات قطر وأجندة الجزيرة "تعبيرا عن وجه بارز من أوجه الحداثة القطرية يعكسه منبر إعلاميّ مستقلّ أزعج نظما عربية" وجعل واشنطن ولندن -في عهد الرئيس السابق جورج بوش ورئيس الوزراء الأسبق توني بلير- تفكران بحسب تسريبات ويكيليكس في ضرب مقر القناة في الدوحة.

وتفيد هذه القراءات المتباينة بأن الجزيرة لم تعد من وجهة نظر محبيها وخصومها مجرّد شبكة لقنوات فضائية منذ أن تحوّلت إلى ظاهرة ما كان لها أن توجد لولا قرار اتخذه أمير قطر بإنشائها والدّفاع عنها رغم كل الضغوط.

المصدر : الجزيرة