طرابلس لبنان.. حضارة تأبى النسيان
آخر تحديث: 2013/6/24 الساعة 04:42 (مكة المكرمة) الموافق 1434/8/16 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/6/24 الساعة 04:42 (مكة المكرمة) الموافق 1434/8/16 هـ

طرابلس لبنان.. حضارة تأبى النسيان

منظر عام لساحة وسط مدينة طرابلس اللبنانية (الجزيرة نت)

هشام ناسيف-طرابلس

تعد مدينة طرابلس اللبنانية من أقدم المدن على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، فقد أسست في العهد الفينيقي منذ حوالي 3500 عام، مما أكسبها موروثا حضاريا وعمرانيا غنيا أضحى في السنين الأخيرة مهددا بسبب التجاهل الرسمي وحالة الانفلات الأمني، وكذا بالنظر لضعف الغيرة والوعي على ماضي المدينة الزاخر لدى سكانها، ولغياب أي رؤية واضحة للحفاظ عليها والنهوض بموروثها الحضاري.

كما عرفت تاريخيا بأنها مدينة العلم والعلماء، بالنظر للحركة العلمية التي شهدتها عبر عصورها الإسلامية، حيث بنت فيها عائلة بني عمار الذين أقاموا فيها حكما استقلاليا في العهد الفاطمي أكبر مكتبة في التاريخ عرفت بمكتبة دار العلم وكانت تحوي أكثر من ثلاثة ملايين كتاب مخطوط أحرقها الصليبيون عند دخولهم المدينة.

وفي العهد المملوكي تحول محيط الجامع المنصوري الكبير الذي بناه السلطان المنصور قلاوون بها إلى مجمع جامعي تحيط به أكثر من 50 مدرسة تعلم فيها كل أنواع العلوم من فيزياء ورياضيات إضافة إلى علوم الدين وغيرها.

وعندما زارها الرحالة عبد القادر النابلسي نهاية القرن الـ17 وجد فيها ما يزيد عن 360 مدرسة وجامعة وزاوية وتكية، لذلك لقبت بمدينة العلم والعلماء، وتخرج فيها الكثير من الكتاب والشعراء والمحدثين وغيرهم عبر العصور. 

 تدمري: هناك علاقة وثيقة بين طرابلس وبلاد المغرب العربي (الجزيرة نت)

ارتباط بالمغرب
ويؤكد البروفسور المهندس خالد عمر تدمري الأستاذ بمعهد الفنون الجميلة والعمارة بالجامعة اللبنانية نجل مؤرخ المدينة عمر تدمري أن أغلب من بنوا طربلس من مهندسين وفنانين جاؤوا من بلاد الأندلس وبلاد المغرب العربي، مما يؤكد العلاقة الموجودة بين المدينة وبلاد المغرب، حيث إنها تشبه في عمارتها بشكل كبير جدا مدينة فاس المغربية.

ويرى أنها كانت ولا تزال المدينة الحصينة الوحيدة ربما في المنطقة التي أسست وبنيت على تخطيط معماري عسكري دون أن يكون لها أسوار خارجية تحيط بها على غرار المدن الإسلامية الأخرى، فجاء بناؤها بشكل متين وصلب لتقاوم أي عملية تخريب، مما حافظ عليها حتى يومنا هذا، ومنحها لقب "المتحف الحي" بالنظر لكونها صمدت لأزيد من 700 عام منذ عهد المماليك حتى الوقت الراهن بكامل تفاصيلها وبكامل أحيائها وأزقتها وبيوتها ودكاكينها فضلا عن معالمها الأثرية.

لكن الموروث العمراني الزاخر لمدينة طرابلس بات مهددا بشكل ملحوظ في العقود الأخيرة بسبب سوء التخطيط والتنظيم العمراني وتركز اهتمام السياسيين والمسؤولين أكثر على العاصمة بيروت والطبيعة الطائفية لمنح مسؤوليات وزارتي الثقافة والعمران اللتين دائما تتولاهما طوائف غير مسلمة مما يتسبب في ذهاب كل الهبات والأموال التي تأتي للترميم والحفاظ على العمران إلى مناطق أخرى.

تجاهل رسمي
ويعتبر تدمري أن المدينة لم تشهد لهذا السبب أي عملية ترميم أو تأهيل لمدة 50 عاما منذ تأسيس الجمهورية اللبنانية، كما أن بعض المشاريع الكبرى جاءت على عكس ما هو مطلوب، وكان هدفها هدم أجزاء من المدينة القديمة أو شق شوارع داخلها بحجة إدخال العربات ووسائل النقل إلى الداخل.

لكن سببا أساسيا مخفيا -يقول تدمري- كان يقف وراء هذا الأمر هو تمكن القوات الأمنية والجيش من دخول المدينة لقمع أي ثورة أو أي تحرك أمني، خاصة أنها كانت قلبا نابضا دائما مع قضايا العالم العربي.

مبان أثرية منهارة بالمدينة (الجزيرة نت)

كما لم يسجل بالمدينة حتى الآن سوى 180 معلما أثريا، رغم أنها تحوي عشرات الآلاف من البيوت القديمة غير المسجلة على لائحة الآثار يقوم تجار البناء بشرائها بثمن زهيد وهدمها لبناء أبراج سكنية حديثة. 

ولم تعرف المدينة سوى مشروع وحيد أتى من الدولة عبر مجلس الإنماء والإعمار وبقرض من البنك الدولي صرفت أمواله على أمور لم تكن ناجحة بالمرة -حسب تدمري- منها إقامة سقف إسمنتي على مجرى نهر أبو علي الذي يمر بوسط المدينة وترميم بعض الأبنية المتداعية أصلا.

ورغم سعي بلدية المدينة من خلال لجنة الآثار والتراث مع جهات مانحة لتأمين التمويل لترميم بعض المعالم الأثرية كالتكية المولوية بتعاون مع الحكومة التركية وخان الخياطين بالتعاون مع الحكومة الإسبانية وسوق حراج بالتعاون مع الحكومة الألمانية وحمام عز الدين بالتعاون مع بنك التنمية الكويتي وغيرها من المشاريع الصغيرة، لكن هذه المبادرات وحدها لا تحل المشكلة لأنها ترمم أبنية تملكها فقط الإدارات الرسمية وتبقى المعالم الأساسية أي النسيج العمراني من بيوت ودكاكين غير مرممة لأنها أملاك خاصة.

مشروع متكامل
ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه بطرابلس، يرى تدمري أن الحل يكون بداية بتربية وتنشئة الجيل القادم على حب هذه المدينة والتعلق بتاريخها وتراثها، ثم العمل على إخراج مشروع متكامل تقوم عليه الدولة وأبناء المدينة من أغنيائها وسياسييها تجاه مدينتهم.

مبنى أثري بساحة سعدون بمدينة طرابلس (الجزيرة نت)

من هنا جاء تأسيس حملة سميت بـ"الحملة المدنية لإنقاذ آثار وتراث طرابلس" بهدف نشر الوعي بالأهمية الحضارية والعمرانية للمدينة والتصدي لأي عملية يقوم بها بعض تجار البناء للتعدي على المدينة القديمة حيث يستغلون حالة الانفلات الأمني للقيام بأعمال تفكيك وسرقة شبه يومية لكثير من الأبنية في طرابلس مما يتسبب في تداعي بعضها أو انهيار بعضها الآخر.

ويؤكد تدمري أن الحفاظ على موروث طرابلس الحضاري والعمراني في ظل الظرفية السياسية التي تعيشها لبنان يتطلب مجهودا كبيرا ووعيا أكبر، لأن السكان وحتى الكثير من المفكرين يستهزئون بما يتم القيام به من خلال حملة إنقاذ طرابلس، ويقولون لنا "الناس يموتون وأنتم تتحدثون عن الحجر"، لكننا دائما نرد عليهم "لو لم يكن هناك حجر لما كان هناك بشر، وهذا الحجر حافظ عليه أجدادنا عبر آلاف السنين.. ومن لا تاريخ له لا مستقبل له".

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية:

التعليقات