منذ سنتين وشكرية تشتغل بائعة متجولة في إسطنبول (الجزيرة نت)

محمد أعماري-إسطنبول

أساور وعقود وحاملات مفاتيح وسبحات تبدو مرصوصة بتناسق وإتقان على صدر شكرية تشيلي وكأنه واجهة محل تجاري صغير متنقل، وفي يمناها كيس بلاستيكي أسود بمثابة "مخزن" لاحتياطيها من السلع، أما يسراها فقد شمرت عنها وعلقت عليها ما لم يتسع له صدرها من المعروضات.

التذكارات التي تبيعها كل يوم في ساحة إمينونو وسط إسطنبول -وهي من الأماكن التي تعج بالحركة ويقصدها السياح من كل جنس- تصنع أغلبها بنفسها، ولكي تكون هذه التذكارات ذات معنى، استثمرت فيها بعض الرموز الخاصة بالبلد، مثل شعار نادي غالطة سراي الرياضي وعلم تركيا.

وتقول إن قلة ذات اليد منعتها من إبداعات أخرى، وإنها تفكر مستقبلا في استثمار رموز سياحية أخرى في تجارتها، مثل كنيسة أيا صوفيا والمسجد الأزرق وغيرهما.

الحاجة أم التعلم
تطوف شكرية في الساحة جيئة وذهابا بحذائها الرياضي المحكم الربط وعلى صدرها بضاعتها، وحول خصرها إزار عريض يستر سروالا رجاليا قصيرا اتخذته جرابا لنقودها لكثرة ما فيه من الجيوب تساعدها على تصنيف القطع والأوراق النقدية.

منذ أكثر من عامين وهي على هذه الحال، تنفق ساعتين صباحا في وسائل النقل العام لتصل إلى "مقر عملها"، ومثلهما مساء لتعود إلى بيتها المتواضع في حي أوجيلار، الذي تجاور فيه الكثيرين ممن يعيشون على هامش إسطنبول.

ومن أغرب ما في قصة شكرية -التي بدأ ظهرها في الانحناء قليلا بفعل ما مر عليه من سنين- أنها تعرف ما تيسر من بعض اللغات كالعربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية، في بلد يرفض الكثير من شبابه ومثقفيه الحديث باللغات الأجنبية حتى لو كانوا يتقنونها، لشدة ارتباطهم بلغتهم القومية.

الحاجة أم التعلم، فلكثرة احتكاكها بالسياح والمتاجرة معهم أصبحت تعلم من لغاتهم ما يعينها على إقناعهم وما تمدح به معروضاتها وتبين لهم خصائصها، فكانت لها ساحة إمينونو مدرسة أخرى غير تلك التي تخرجت فيها معلمة عام 1971، حيث كانت اللغات الأجنبية في ذلك الوقت لا تجد طريقا إلى مناهج التعليم في تركيا.

تواظب شكرية على قراءة القرآن باعتبار ذلك عبادة، وللاستئناس باللغة العربية وتقوية معرفتها بها، كما أنها اشترت كتابا لتعلم هذه اللغة، وتؤكد أنها لو تفرغت شهرين كاملين لتعلمتها جيدا، وهي كذلك تقتطع من وقتها ما استطاعت لمشاهدة القنوات التلفزية الأجنبية لعلها تلتقط منها كلمات وعبارات تضيفها إلى ما تعلمته من شتات اللغات في ساحة إمينونو.

شكرية تعرض بضاعتها وسط ساحة إمينونو بإسطنبول (الجزيرة نت)

إفلاس فسجن فكفاح
"كنت متفوقة في دراستي" -تحكي شكرية المولودة عام 1953 في مدينة بولو الواقعة بين أنقرة وإسطنبول- "ولما تخرجت اشتغلت مدرسة ثلاث سنوات، ولأن الراتب لم يكن مغريا بالاستمرار في هذه المهنة تركت التعليم والتحقت بشركة للبترول كان يديرها زوجي".

في العام 1997 توفي زوجها وورثت عنه إدارة الشركة، وطوال عشر سنين وهي تدير وتوقع وتخطط وتعقد الاجتماعات وتأمر وتنهى، لكن الأقدار شاءت أن تفلس الشركة ويتم الحجز على ممتلكاتها وتدخل هي السجن لمدة أربعة أشهر، ولم تغادره إلا وقد طوقتها وزارة المالية بتعهد تلتزم فيه بأداء ما على شركتها من مستحقات.

تكد وتكدح كل يوم من الساعة التاسعة صباحا في مواسم ذروة السياحة -وبعد الغداء في غيرها- وتستمر إلى الثامنة ليلا، وذلك للوفاء بهذا التعهد الذي سينتهي في 30 مارس/آذار 2014.

3500 ليرة (نحو 1800 دولار) كل شهرين توفرها شكرية بصعوبة وبمساعدة ابنيها الموظفين، ولكثرة ما ألف الناس رؤيتها هنا في رحلة الشتاء والصيف، أصبحت جزءا من معالم الساحة.

ورغم أنها قد تعد من أصغر النقاط في بحر الاقتصاد التركي، تؤكد أن نشاطها التجاري أيضا تأثر بالأحداث والاحتجاجات التي شهدتها تركيا في الأسابيع الأخيرة، وترى أنها فقدت نحو 50% من مداخيلها.

وكغيرها ممن قدرهم السعي لإقناع الناس بشراء ما لديهم، تتعرض كل يوم للصد أو التجاهل والإعراض، قبل أن تظفر بلحظة تقنع فيها زبونا بأن يدس يده في جيبه، لكن ذلك لم يعد يؤثر فيها ولا يثنيها، لأن لقمة العيش من ورائها والديون والتعهد من أمامها، ولا بد لها من أن تضحي وتجرب كل الوسائل لاقتناص الزبائن.

المصدر : الجزيرة