التركية.. لغة لا تقبل المزاحمة في بلدها
آخر تحديث: 2013/6/19 الساعة 03:23 (مكة المكرمة) الموافق 1434/8/11 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/6/19 الساعة 03:23 (مكة المكرمة) الموافق 1434/8/11 هـ

التركية.. لغة لا تقبل المزاحمة في بلدها

لباس عمال البلدية مكتوب عليه بالتركية فقط كذلك الباصات (الجزيرة)

محمد إعماري-إسطنبول

من النادر أن تنفعك اللغة العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرها من كل لغات الدنيا في التواصل مع الشعب التركي، فإما أن يكون لك من لغتهم زاد ونصيب يعينك على التواصل معهم، أو تتخذ لك مترجما ودليلا، أو تصبر على الصعوبات وتستعين بلغة الإشارات، فاللغة التركية هنا لا تقبل أن تزاحمها لغة أخرى.

أغلب الأسماء واللافتات في الشوارع، حتى تلك التي تشير إلى أسماء الأماكن أو الطرقات والإدارات، لا تجد فيها اللغات الأخرى مكانا إلى جانب اللغة القومية لشعب لا يزال يفتخر بأن أجداده السلاجقة والعثمانيين حكموا الدنيا يوما ما.

الأماكن التي تجد فيها لغات غير التركية معدودة جدا، وهي في أغلبها محلات تجارية أو مطاعم في مناطق سياحية أجبرتها الحاجة إلى جلب الزبائن على شق كوة صغيرة في جدار "القومية اللغوية" التركية السميك.

اعتزاز بالقومية
اعتزاز الأتراك بقوميتهم ولغتهم وحرصهم على التشبث بها يعده المواطن التركي محمد بكر أكتع ميزة ويثني عليه، ويفسره بكونهم لم يخضعوا لاحتلال أي دولة، لكنه رغم ذلك يعترف بأنه يفوت فرصا كثيرة للانفتاح والاستفادة من الثقافات الأخرى.

"الحكومات التي تعاقبت على البلاد" -يقول محمد للجزيرة نت- "كانت لا تشجع تعليم اللغات الأجنبية حتى لا ينفتح الأتراك على العالم، وقد بدأت الحكومة الحالية تعي هذا المشكل وتشجع على تعلم اللغات الأجنبية".

أحد المحلات التي تستخدم لغات غير التركية بفعل التوسع الاقتصادي التركي (الجزيرة)

ولأنه لا ينبئك مثل خبير، فإن الطالبة الأجنبية فردوس -التي تدرس في إحدى جامعات إسطنبول منذ ثلاث سنوات- تقول إن العام الأول الذي قضته هنا محطة فارقة في حياتها ولن تنساها، لكثرة ما عانت من صعوبات في التواصل مع الأتراك، واضطرت بعده إلى التسجيل في برنامج لتعلم اللغة التركية.

أما زميلتها نسيبة فتتذكر كيف وطئت قدماها لأول مرة أرض تركيا قبل أربع سنوات وجدت صعوبة في التواصل بغير اللغة التركية حتى مع بعض الموظفين الذين يعملون في المطار.

سليم سيزر، باحث تركي يعد أطروحة دكتوراه باللغة الفرنسية، يؤكد أن القليل من الأتراك هم من يتكلمون لغات أجنبية، "وهذا وضع غير طبيعي لأننا اليوم في عصر العولمة والانفتاح وكسر الحواجز والحدود"، لكن الأغرب في نظره أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان هو نفسه لا يتكلم أي لغة أجنبية.

مواطن تركي آخر يقول إن هذا لا يعني أن الأتراك لا يعرفون اللغات الأخرى، بل إن الكثيرين منهم يجتهدون في تعلمها، لكنهم "لا يتذوقون الحديث بها" ولا يرتاحون للحديث بغير لغة قومهم.

إرث أتاتورك
وتقول ملتيم كربابا، وهي مدرسة لغة عربية ومسؤولة في الجمعية الثقافية المصرية بإسطنبول، إن الأتراك معتزون بانتمائهم القومي، و"لا يزالون يعيشون على إرث الدولة العثمانية والدولة السلجوقية اللتين كانتا دولتين عظيمتين".

ورغم أنه في التاريخ العثماني كانت لغة العلم هي العربية ولغة الأدب هي الفارسية، تضيف ملتيم للجزيرة نت، وأن أغلب العلماء العثمانيين كانوا آنذاك يتقنون على الأقل لغتين أجنبيتين هما العربية والفرنسية، فإن تركيا بعد إنشاء الجمهورية في بداية العشرينيات من القرن الماضي انكفأت على نفسها وانغلقت على ما بداخلها.

"في القديم لم تكن القومية مهمة عندنا -تقول ملتيم- لأننا كنا منفتحين على الجميع، والسلطان محمد الفاتح على سبيل المثال كان يتكلم سبع لغات، لكن بعد مجيء كمال أتاتورك طغى الفكر القومي على البلاد".

وهي ترى أن هذا الوضع من مخلفات الحرب العالمية، فقد حارب الأتراك فيها الفرنسيين والإنجليز والإيطاليين، "فطردناهم من المنطقة وطردنا معهم لغاتهم"، وتضيف أنه مع عودة تركيا اليوم إلى الواجهة في المنطقة والعالم، أصبح مفروضا عليها أن تنفتح من جديد.

التمدد الاقتصادي التركي الذي بدأ يتجاوز حدود البلاد يفرض هو الآخر التعامل مع اللغات الأخرى، لذلك يستقبل المركز الذي تدرس فيه ملتيم اللغة العربية مديرين ومندوبين لشركات فرض عليهم تمثيل مؤسساتهم في دول مثل تونس ومصر وليبيا أن يتعلموا اللغة العربية.

تونشاي أوزترك: الجمعية العالمية للغة التركية تنتج كتبا ومناهج لتعليم اللغة (الجزيرة)

أولمبياد عالمي
ولم تكتف اللغة التركية برفض مزاحمة اللغات الأجنبية لها في بلاد الأناضول، بل وجدت لها موطئ قدم في دول عديدة، إذ تنتشر مراكز لتعليمها، كما تأسست عام 2003 الجمعية العالمية للغة التركية بهدف نشر لغة وثقافة أحفاد العثمانيين، وبدأت منذ عشر سنوات بتنظيم مسابقة أولمبياد عالمية في اللغة التركية.

وتنتج الجمعية -حسب إفادة السكرتير العام لمسابقة الألمبياد تونشاي أوزترك للجزيرة نت- كتبا ومناهج لتعليم اللغة، كما تشرف على المسابقة التي بدأت بـ17 دولة عام 2003 ووصلت إلى 140 دولة هذا العام.

جهود الجمعية تدعمها شبكة من الشركات والبنوك والمؤسسات الاقتصادية التركية، "في البداية -يؤكد أوزترك- كنا نراسل هذه المؤسسات ونقترح عليها دعم المسابقات وتمويلها، ونبعث لها ملخصا عن الأهداف والغايات، ومع مرور الوقت كسبنا ثقة العديد من الجهات واليوم علينا إقبال كبير حتى أصبحنا نعتذر عن الاستجابة لطلبات كثير من الداعمين".

ويكلف هذا المشروع نحو عشرة ملايين ليرة (تقريبا خمسة ملايين دولار) كل سنة دون احتساب الخدمات المجانية التي تقدمها مؤسسات الدولة ومؤسسات أخرى خاصة، ويقول المتحدث نفسه إنه لو احتسبت هذه الخدمات لكان المبلغ خمسة أضعاف ذلك.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية:

التعليقات