مشاركة الناخبين الكثيفة في الانتخابات ساهمت بإيصال روحاني لسدة الرئاسة (الفرنسية)

أحمد السباعي-الجزيرة نت

فاجأ انتخاب حسن روحاني لرئاسة الجمهورية الإسلامية المراقبين والمحللين وحتى الناخبين في إيران، فالتياران الإصلاحي والمعتدل اللذان كانا في اتجاههما لمقاطعة الانتخابات ترشيحا واقتراعا بعد عدم ترشح الرئيس السابق محمد خاتمي ومنع سلفه أكبر هاشمي رفسنجاني، أوصلا مرشحهما لسدة الرئاسة.

كانت الصورة قبيل الانتخابات أن المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي ممسك بزمام السلطة وهناك خمسة مرشحين محافظين جميعهم قِيل عنهم إنهم مقربون منه، وإن المنافسة ستكون بينهم، فيما كان روحاني خارج المنافسة تماما.

ولكن الشعب الإيراني بمشاركته الواسعة نحو 73% فرض على ما يبدو خياره على الجميع بما فيهم المرشد الذي تخوف -كما قال مراقبون- من تكرار أحداث انتخابات 2009 فقرر منع أي من الأجهزة التدخل فيها وإعلان النتائج كما وُضعت في الصناديق. وإزاء ما تقدم تبقى هناك "أمور خفية وأسباب أوصلت الشيخ الدبلوماسي لسدة الرئاسة".

اتفاق خاتمي ورفسنجاني
الباحث الإيراني محمد علي مهتدي يفسر بعضا من هذه الأسباب بموقع روحاني الوسطي بين المحافظين والإصلاحيين وقبوله من الطرفين، وعلاقاته الجيدة مع مراكز القوى والتيارات السياسية، والمناظرات الرئاسية التي أظهرت اعتدال خطاب الرجل ووعوده وكيفية مواجهة المرشحين المنافسين خلال المناظرة.

إضافة لتجربته المهمة -يتابع مهتدي- في كافة المجالات وإتقانه لعدة لغات ومعرفته كيفية التعامل مع الداخل والخارج. ويواصل أن دعم رفسنجاني وخاتمي اللذين اتفقا على سحب المرشح الإصلاحي محمد رضا عارف واختيار روحاني مرشحا للتيارين المعتدل والإصلاحي.

video

هذه التبريرات أكدها المحلل السياسي المقرب من الإصلاحيين محمد شريعتي وأضاف أن روحاني لم يكن مع التيار الإصلاحي لكن الظروف أجبرته وغيره أمثال رفسنجاني على الكلام والاعتراض على سياسات أوصلت إيران إلى "انسدادات على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية وعلاقات إيران الخارجية".

الكاتب حسين رويوران لم يكن بعيدا عن هذه الأسباب إلا أنه نسب "الدور الأكبر" لخامنئي في وصول روحاني لسدة الرئاسة، لأنه "عقب أحداث انتخابات 2009 حصل لغط حول مواضيع عديدة ما دفعت المرشد لضبط آليات الانتخاب بشكل كبير جدا ومنع تدخل جميع المؤسسات ووفر أرضية كبيرة جدا للتنافس الشريف بين المرشحين ولانتخابات نزيهة".

حتى وصلت لحد وصف المرشد أصوات الناس -يواصل رويوران- بأنها جزء من حقوقها وهذه الحقوق أمانة في أعناق القيمين على الصناديق، وأصر المرشد على عدم تكرار "الشبهات التي رافقت انتخابات عام 2009".

ويرى المحلل الإيراني أن كلا من رفسنجاني وخاتمي لعبا دورا في نجاح روحاني، الأول عبر الدعم وعدم الانسحاب من الساحة، أما الثاني (خاتمي) فرفض طلبات الإصلاحيين بالمقاطعة وسعى إلى توحيد الصفوف خلف روحاني، ناهيك عن الشعب الذي حسم خياراته وتوجهاته بالتغيير عن طريق الدستور، حسب رويوران.

المرشد راض
أما عن دور المرشد في هذه الانتخابات، فأوضح مهتدي أن المرشد "راض تماما" عن اختيار روحاني، ورأى أنه "نأى بنفسه" عن دعم أي مرشح وكرر مرات عدة أن له صوتا واحدا كباقي المواطنين وأصر ألا يطلع عليه المقربون منه ومن عائلته.

كما منع المرشد جميع المرشحين من استثمار قربهم منه في استقطاب المصوتين، حسب مهتدي، فكان خامنئي على مسافة واحدة من الجميع، ولهذا فقد قبل بخيار الشعب وهنأه على خياره وبارك لروحاني منصبه الجديد وطلب من الجميع التعاون معه وتسهيل مهمته.

شريعتي بدوره، أوضح أن روحاني لم يكن من التيار المقرب من القيادة العليا، وهو اعترض على سياسة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد في علاقته مع الغرب ومقاربته الملف النووي، وتابع أن الشعب فرض روحاني علما أنه كان يشك في أن أصواته ستحتسب ولكن المشاركة الكبيرة "رجحت الكفة لروحاني".

رويوران: التعاطي مع كافة الملفات سيتغير لكن ضمن إطار الثوابت الإيرانية وهذا التغيير لا يعني التنازل

في السياق عينه سار ريوروان بأن خامنئي "راض" عن انتخاب روحاني "ممثله الشخصي في مجلس الأمن القومي"، وهو مقبول من المرشد والإصلاحيين والمعتدلين أي أنه نقطة تقاطع لكثير من الاتجاهات السياسية وهو يمتلك خيرة وحنكة سياسية كبيرة وله وزن علمي وسياسي واجتماعي في الوقت نفسه.

سوريا والعرب والغرب
هذا الزخم والتأييد الذي حصل عليه روحاني يطرح سؤالا عن قدرته لإحداث تغيير في سياسة بلاده الخارجية، وفي هذا السياق يشير مهتدي إلى أن موقع المرشد كمشرف على السلطات كافة تجعل من الصعب التفريق بين الملفات التي بيد روحاني والأخرى بيد المرشد، لكنه أكد أن مسألة دعم القضية الفلسطينية والمقاومة لن يتغير.

ورأى أن السياسة الإيرانية بسوريا مع روحاني لن تتغير وخصوصا أن لديها بعدين بالنسبة لإيران أولهما "أن الإصلاحات الداخلية التي يعتزم الأسد القيام بها وعلاقته بشعبه لا دخل لإيران فيها، أما الجهد الخارجي لإسقاط النظام السوري الداعم للمقاومة اللبنانية والفلسطينية فإن طهران ستدعم هذا النظام وتقف بوجه هذا الجهد".

ويرى شريعتي هنا، أن هناك متغيرات بالتعاطي مع الغرب في الملف النووي وخصوصا في الفريق المفاوض الذي اعتراه "إشكالات كثيرة"، وأوضح أن العلاقات مع المحيط العربي والإسلامي ستتحسن وتحديدا مع السعودية، أما الموضوع السوري فهو شائك ودقيق والرئيس الجديد سيعمل في إطار مؤسسات الحكم الإيراني، وعبر عن شكوكه أن يكون لدى روحاني مواقف أو رؤى لعدم التدخل في سوريا.

وواصل أن روحاني يرفض تدخل "القوى المتصلبة دينيا ومذهبيا في سوريا كجبهة النصرة" ولكن عليه أن ينسق مع القيادة، مستبعدا حدوث تغيير كبير في هذا الملف.

ورأى أن طريقة تعامل روحاني مع خامنئي تختلف جذريا عن تعاطي الأخير مع أحمدي نجاد، وخصوصا أن روحاني شخصية معروفة وأدار أمن إيران لـ16 عاما كأمين عام لمجلس الأمن القومي وتحدث عن حدوث متغيرات في السياسة كنتاج عن متغيرات صناديق الاقتراع.

رويوران اختلف مع زملائه وأكد أن التعاطي والمقاربات مع كافة الملفات ستتغير لكن ضمن إطار "الثوابت الإيرانية وهذا التغيير لا يعني التنازل"، وأضاف أن التعاطي في فترة أحمدي نجاد كان "سلبيا واستعداء الآخر ورفع كلفة التعامل مع الغرب" إلا أن روحاني كما أكد أن تعاطيه سيكون من منطق "حفظ مصالح البلاد ولكن بطريقة عقلانية ومنطقية والجمع بين مصالح طهران والدول الأخرى".

وخلص إلى أن التكهنات في احتمال تغيير سياسة إيران في سوريا "صعبة جدا إلا أن سياسة التعقل الذي يعتمدها روحاني ستؤثر على كافة الملفات بينها السوري".

المصدر : الجزيرة