القتال المحتدم في القصير طيلة عدة أسابيع دفع السكان للنزوح بشكل جماعي (الفرنسية)
الطريق من القصير في سوريا إلى بلدة عرسال بلبنان يشكل أحد عناوين الأزمة الإنسانية الناجمة عن القتال الدائر في سوريا ومدى انعكاس ذلك الصراع على الوضع في لبنان خاصة في ظل تدخل مقاتلي حزب الله اللبناني إلى جانب النظام السوري في مواجهة المسلحين بتلك المدينة وطردهم منها.

وتحت وطأة القتال الذي استمر عدة أسابيع في تلك المدينة المحاذية لأراضي لبنان، باتت بلدة عرسال -ذات الغالبية السنية المتعاطفة إجمالا مع المعارضة السورية- وجهة لآلاف النازحين السوريين الباحثين عن ملاذ آمن هربا من جحيم القتال.

في باحة مقر رسمي في بلدة عرسال في شرقي لبنان تفترش جميلة (45 عاما) الأرض وتنتظر أن يؤمن لها ولأولادها الثلاثة وزوجها المريض سقف أو خيمة، أما قلبها فبقي في سوريا. على طريق القصير حيث "العشرات ماتوا عطشا أو قصفا، أو ببساطة عجزوا عن متابعة السير".

تجلس جميلة على بساط قرب مقر بلدية عرسال، إلى قربها يتمدد زوجها على فراش إسفنجي. وتقول "في الليل نموت بردا. لا نملك مالا، ولا طعاما، ولا نعرف أحدا هنا". لكن حزنها الأكبر يبقى على الذين "تركناهم هناك". وتروي بغصة "خرجنا قبل ساعات من سقوط المدينة مجموعات مجموعات، كنا نجري وكل منا يسعى لإنقاذ نفسه".

وتتابع وهي تزيح قليلا الشال الأسود الذي يغطي رأسها عن وجهها ثم تخفض صوتها وكأنها تخجل مما ستقوله "بعض الذين كانوا معنا ماتوا عطشا او متأثرين بجروحهم. فكان الرجال يحفرون حفرة ويدفنونهم، كان الأمر فظيعا، التاريخ لم يشهد مثل هذا".

في الطريق، كسر الهاربون أغصان الأشجار الخضراء الطرية وعصروها في أفواههم للترطيب، أو قسطل الري ونفخوا فيها للحصول على بعض قطرات المياه. وأكلوا الفاكهة من الأشجار والبطاطا النيئة من الحقول. وكان عناصر من الجيش السوري الحر يرشدونهم على الطريق.

بلدة عرسال بلبنان تحملت جزءا من أعباء القتال في مدينة القصير بسوريا (الفرنسية)

استقبال اللاجئين
ويوضح عضو المجلس البلدي في عرسال وفيق خلف -الذي يهتم باستقبال اللاجئين وتسجيلهم- أن ثلاثة آلاف سوري وصلوا من القصير إلى عرسال خلال أسبوع، ليرتفع عدد اللاجئين السوريين في البلدة إلى 32 ألفا منذ بدء النزاع قبل أكثر من سنتين، وعدد سكان عرسال أكثر من أربعين ألفا. كما دخل أكثر من 300 جريح من القصير نقلوا لمستشفيات في الشمال خصوصا.

في زوايا الباحة الصغيرة، توزعت العائلات. بعضها علق أغطية وبطانيات على أغصان الشجر للحصول على بعض الخصوصية، أو على قليل من الظل.

بين الجمع شاب في الثامنة عشرة ذراعه اليسرى وظهره ملفوفان بضمادات، يقول من دون ذكر اسمه إنه أصيب في المعركة.

ويضيف "سرت خمسة أيام مع آخرين. في لحظة معينة، تعبت وتركوني مرميا في أحد البساتين، إلى أن أشفق علي أحدهم وحملني وساعدني على الوصول". لكن الشاب ذا الوجه الطفولي يؤكد أنه سيعود لسوريا فور شفائه "أريد أن أساهم في إسقاط النظام".

وتبلغ مساحة المنطقة السكنية في عرسال حوالى 15 كيلومترا مربعا، وتصل مساحة البلدة الإجمالية مع المنطقة الجبلية غير المسكونة إلى أكثر من 400 كيلومتر مربع. وتمتد حدودها مع سوريا (معظمها مع ريف دمشق) على مسافة 55 كيلومترا تنتشر عليها المعابر غير القانونية الوعرة.

بلدة عرسال لم تسلم من القصف السوري على خلفية تعاطف سكانها مع الثورة (رويترز)

قصف سوري
وعرسال محاطة بقرى شيعية موالية لحزب الله الذي يشارك في المعارك في سوريا إلى جانب قوات النظام. وتسجل توترات شبه يومية بين عرسال ومحيطها على خلفية النزاع السوري. كما تعرضت البلدة أخيرا لغارات عدة من طائرات سورية.

في شارع البلدية، صف طويل من مئات النساء والرجال ينتظرون دورهم للحصول على مساعدة غذائية.
ويوضح خلف أن المساعدات مقدمة من وكالات الأمم المتحدة ومن الحكومة القطرية ومن جمعيات خيرية ومنظمات غير حكومية دانماركية أو نرويجية، "لكنها غير كافية"، مناشدا الجمعيات تأمين "شوادر وخيم". أهالي عرسال قدموا أبنيتهم غير المنجزة والغرف الفارغة للاجئين.

في أحد أحياء عرسال، مخيم للاجئين يغطيه الغبار كلما هبت نسمة هواء. هناك يجلس علي (25 عاما) وقد لفت ساقه اليمنى بالجص في خيمة خالية إلا من الفرش، ويقول "لست نادما أو حزينا على إصابتي أثناء القتال. كنت أدافع عن شرفي. لكنني حزين على وضعنا هنا".

عند باب البلدية، تصل شاحنة صغيرة ينزل منها أكثر من ثلاثين لاجئا وصلوا للتو، يقفون حائرين ضائعين. ثم تصرخ امرأة "الله يحرق قلوبهم مثلما أحرقوا قلوبنا. كل الدول دعمت بشار فقصفنا وهجرنا. أصدقاء سوريا هم أعداء سوريا. أين منطقة الحظر؟ لم لم تأت الأمم المتحدة إلى القصير لإنقاذنا؟ الله يشردهم كما شردونا".

المصدر : الفرنسية