مركز الشعار التعليمي نموذج للمبادرات الأهلية لنشر التعليم في ظل غياب الموارد وظروف الحرب القاسية (الجزيرة نت)

حسام حمدان-حلب

فرضت الحرب الدائرة داخل سوريا واقعا تعليميا جديدا في محافظة حلب، بعد أن دُمرت المدارس وغاب عنها طلابها ومدرسوها، وتحول بعضها إلى مقار للفصائل المقاتلة, ولم يشأ الشباب السوري أن يضع خده بين يديه ويجلس يلعن الحرب والاستبداد والظلم.

فقد تداعى الشباب في مختلف أحياء حلب وريفها، وقرروا أن يحملوا سلاح العلم إلى جانب زملائهم الذين حملوا سلاح الحرب، وقالوا "لن ندع أبناءنا من صغار الطلاب نهبا لآفة الجهل وآلة الحرب وضياع السنين".

وهكذا قرر أبو النصر ومجموعة من زملائه -الذين خاف عليهم أهلهم من الذهاب إلى الجبهات والمشاركة في القتال- المجاهدة بالعلم والتعليم.

وفي أحد الأسواق الشعبية -وتحديدا في الدور الثاني من إحدى البنايات القديمة- فتح أبو النصر وزملاؤه "مركز الشعار التعليمي" الذي يضم اليوم طلابا في المراحل الثلاث الابتدائية والإعدادية والثانوية.

يقول أبو النصر لدينا 482 طالبا، وتعمل المدرسة فترتين دراسيتين صباحية ومسائية مدة كل فترة أربع ساعات. ويضيف زميله أبو علاء -وهو مدرس متطوع في المركز- إن الفكرة بدأت عندما تحدث مع زميله أبو النصر عن ضرورة عمل شيء فعرض عليه فكرة المدرسة، فسارعا بعرضها على أصحاب المحلات -خاصة أن الدور الثاني من البناية كان فارغا بعد أن هجره أصحابه نتيجة الحرب- فرحبوا بالفكرة وبدأ الشابان العمل.

ويلتقط أبو النصر الحديث مرة ثانية، فيقول إن "أهل الخير ساعدونا، والتحق بنا الكثير من الشباب بالعمل التطوعي، وهم إما خريجو الجامعة أو ممن يدرسون في الجامعة، لكنهم توقفوا عن الدراسة خوفا من القتل أو القنص أو الاعتقال".

طلاب في مركز الشعار التعليمي يحلمون بمواصلة التعليم لضمان مستقبل زاهر
(الجزيرة نت)

أحلام المستقبل
ويضيف أبو النصر أن المدرسة تخدم أبناء الحي وتجنبهم المخاطرة بحياتهم إذا التحقوا بمدارس بعيدة يعد الوصول إليها بمثابة مغامرة، لأنهم سيمرون بمناطق القنص.

وقال إن الأهالي في البداية كانوا خائفين، لكنهم عندما رأوا أن التجربة مضمونة أمنيا تشجعوا وبدؤوا في تسجيل أبنائهم، مضيفا أنهم يستعدون لامتحانات المرحلة الإعدادية التي ستبدأ في الأول من يوليو/تموز القادم، أما الثانوية العامة فستكون في منتصف شهر أغسطس/آب القادم, وفقا لما حدده مجلس حلب.

أما فاطمة -وهي إحدى الطالبات في الصف التاسع- فقالت "إننا لم نتمكن من الذهاب إلى مدارس النظام ولهذا التحقنا بمركز الشعار. ويحاول الأساتذة إعطاء كل ما لديهم حتى نعوض الأيام التي انقطعنا فيها عن الدراسة".

وبدوره، يقول عبد الله حياني -وهو طالب في الصف الرابع الابتدائي- "ندرس كل المواد وأريد أن أتعلم حتى أضمن مستقبلا جيدا، لأنني أريد أن أكون طبيبا", أما الطالب علي الزرقة -الذي تداعبه أحلام الطفولة- فيقول "أتمنى أن أكون محاميا، ولهذا جئت إلى المدرسة للدراسة مع زملائي".

ويقف أبو النصر في أحد الممرات مبينا أن "الفصول صغيرة وليست لها أبواب، لكننا استبدلناها بستائر معتمة ووفرنا دورة مياه، وهناك فصول خاصة بالأولاد وأخرى خاصة بالبنات في كل المراحل التعليمية".

المساجد أيضا تحولت لمدارس بسبب الدمار الذي لحق بالمدارس في مناطق كثيرة 
(الجزيرة نت)

مدرسات متطوعات
الحماس الذي لمسناه على وجوه الصغار هو كذلك يملأ نفوس الكبار, وتقول الأستاذة فاطمة -التي تحمل شهادة ماجستير في التربية- "نشعر بأن الطلاب حرموا من التعليم فكان لا بد من إيجاد بديل حتى يستمر التواصل ونسد الفجوة، ونعيد تأهيل أبنائنا نفسيا وننسيهم الحرب وذكرياتها البشعة".

المدرسات اللائي يعملن في المدرسة متطوعات، هن بذلك يؤكدن أن المرأة السورية تشارك في الثورة جنبا إلى جنب مع الرجل, وأن ميدان التعليم هو أحد الميادين التي يمكن أن تعمل فيها المرأة وتؤدي دورها في خدمة المجتمع، خاصة في ظل ظروف الحرب التي زرعت الخوف في نفوس الصغار.

وقالت إحداهن "نحن تطوعنا للعمل في المركز كمدرسات من أجل خدمة أبنائنا الطلاب، وحتى لا تتوقف عملية التعليم ويحدث التجهيل والأمية لأجيال لا ذنب لها سوى أنها نشأت في هذا الزمن".

وهكذا، فإن المدارس التطوعية في حلب مثلت في البداية محاولات فردية متناثرة، لكنها ما لبثت أن أصبحت تجربة تعم كل أنحاء حلب، ليؤكد أبناؤها أن عقارب الساعة لن تتوقف، وأن المدينة التي كانت منارا للعلم منذ عدة قرون لن تكون إلا كذلك في هذا الزمن رغم الحرب.

المصدر : الجزيرة