تحول تقسيم إلى بؤرة استقطاب للكثير من الأحزاب والكيانات المعارضة للحكومة (الجزيرة)

أحمد دعدوش-إسطنبول

في وسط إسطنبول التي تعج كعادتها بأفواج السياح، وعلى مقربة من أكثر شوارعها وأسواقها حيوية، تتخذ مجموعات عدة مواقعها للاعتصام على أطراف ساحة تقسيم وبين أشجار حديقة غيزي، وتكاد تنفصل بفسيفسائها المتنوعة عن محيطها المنشغل بالتسوق والتجوال، بينما يرى فيها بعض السياح مزارا سياحيا آخر.

وفي جولة للجزيرة نت بين تجمعات المعتصمين، اضطررنا إلى البحث مطولا عن المجموعة الأولى من أنصار البيئة الذين بادروا بهذه الاعتصامات بمعارضتهم لقطع أشجار الحديقة من أجل مشروع إنشائي ضخم، حيث تحول المكان إلى بؤرة استقطاب للكثير من الأحزاب والكيانات المعارضة للحكومة، إضافة لجهات وأفراد وجدوا في الساحة منبرا لعرض قضاياهم السياسية والاجتماعية.

أنصار حزب العمال الكردستاني يرفعون صور أوجلان ويرقصون رقصة الدبكة (الجزيرة)

بيئة وسياسة
وبعد العديد من الاستفسارات تمكنا من الالتقاء بأحد المعتصمين الأوائل في الحديقة، حيث أكد أنه كان من بين 60 ناشطا بيئيا تجمعوا للتمسك بقرار المحكمة في الاحتفاظ بالحديقة وتعطيل المشروع، قبل أن تنتهز مجموعات أخرى الفرصة للاعتصام بالمنطقة تحت شعارات مختلفة.

وأضاف أن مجموعته لا يمكنها منع الآخرين من الاعتصام، على الرغم من اقتناعه بأن الحوار مع الحكومة قد قطع شوطا كبيرا نحو حل المشكلة.

ورغم سعي رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان إلى الفصل بين المعتصمين البيئيين وبقية الناشطين الذين ينتمون إلى جهات وأحزاب غير قانونية، فقد وجدنا أن العديد من المعتصمين غير معنيين بالإنذار الأخير الذي أطلقه أردوغان الخميس.

وفي إحدى خيام المعتصمين، قال الملحن الموسيقي أوغان ياشالار إنه يعتبر أردوغان مجرد "دكتاتور"، وإنه لا يثق في حكومته لأنها تلجأ إلى الكذب دائما، مضيفا أن المجموعات التي التقى بها أردوغان لا تمثل كل المعتصمين.

وتدخلت إحدى صديقاته لتضيف أن أردوغان التقى بمجموعتين فقط، الأولى تضم فنانين لا يعرفون ما يجري في الساحة ولا يهتمون لأمور البيئة والديمقراطية، أما الثانية فلا تمثل المعتصمين مع أنها كانت تضم اثنين منهم.

وتابع الحديث صديق آخر مؤكدا أنهم ناشطون مستقلون وأنهم يطمحون إلى إسقاط أردوغان رغم الإنجازات التي حققها خلال فترة حكمه، "وذلك لارتكابه أعمالا سيئة ولا يمكن التراجع عنها"، حسب قوله.

يترقب الجميع نتائج "الإنذار الأخير" الذي أطلقه أردوغان (الجزيرة)

قضايا أخرى
وفي موقع آخر، تنتصب خيمة لصحيفة أخوة العمال لتوزيع منشورات مناهضة للحكومة، وفي حديث للجزيرة نت انتقد أحد ناشطي الصحيفة المعارضة سياسة أردوغان في التحالف مع أنظمة عربية "دكتاتورية" لإسقاط النظام السوري، معتبرا ذلك ازدواجية غير مقبولة.

ومن بين العديد من الأعلام والشعارات المرفوعة في الحديقة، تطل صور زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في موقع بارز، ويحيط بها أنصار الحزب الذين يرفضون بعنف التقاط الصور لرقصتهم الشعبية الجماعية "الدبكة".

كما تجوب إحدى المجموعات أنحاء المكان بموكب راقص يضفي أجواء كرنفالية، في مشهد يجتذب بعض السياح الأجانب لمشاركة الشباب والفتيات في الرقص على إيقاع الطبول.

وينتشر أيضا بعض الناشطين للتعبير عن موقفهم الداعي إلى التطبيع مع الشذوذ الجنسي، حيث تقيم إحدى المنظمات خيمة لتوزيع المنشورات التي تطالب بإلغاء التمييز ضد الشواذ جنسيا والمتحولين ومزدوجي الميول الجنسية.

وعلى مقربة من المكان، تجمع عدد من الناشطين حول شاب يتحدث الإنجليزية بطلاقة أمام عدسة مراسل يعمل لشبكة تلفزيونية أميركية، حيث أصر الشاب على أن قضيتهم تتلخص في رفض تأسيس "دولة إسلامية" بالبلاد.

وقبل أن نغادر المكان، توجهنا بسؤال إلى أحد الناشطين البيئيين عن موقفه من الجهات التي تشاركهم المكان للاعتصام، فقال إنه "ينبغي ألا يوجد أي من هؤلاء في المنطقة"، مؤكدا أنه لا يمكن لزملائه في الوقت نفسه منعهم من الاعتصام.

وبينما يترقب الجميع نتائج "الإنذار الأخير" الذي أطلقه أردوغان، يبدو أن المعتصمين الأوائل قد اتفقوا مع الحكومة على انتظار نتائج الاستئناف في المحكمة، وفي حين تصر فئات أخرى على الاعتصام حتى إسقاط الحكومة، يجد آخرون في الاعتصام فرصة للترويح عن النفس أو لترويج أفكار وبرامج سياسية عدة، أو لبيع المأكولات والسجائر ووسائل احتجاج فرضت نفسها كالأقنعة وخوذ العمال الملونة. 

المصدر : الجزيرة