أرقام صادمة وأخرى متوقعة وثالثة مفاجئة، تلك التي خرج بها المؤشر العربي الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، والذي يُعبر عن الرأي العام العربي. ويبدو أن ثورات الربيع العربي أفرزت جيلا واعيا من الشباب يستطيع تقدير حجم المخاطر ويعطي رأيه بموضوعية وتجرد.

اللافت في هذا الاستطلاع مواكبته للأخطار المحدقة بالعالم العربي، ومتابعته للشؤون السياسية العامة التي أصبحت عنوان العصر العربي الجديد بعد الثورات المتلاحقة في دول الربيع.

يذكر أن الاستطلاع شمل هذه السنة 14 دولة، هي: موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر والسّودان وفلسطين ولبنان والأردن والعراق والسعوديّة واليمن والكويت، وشمل 20350 شخصا ضمن عينات ممثلة لتلك البلدان، بهامش خطأ يصل إلى3% فقط.

ولوحظ أن هناك تأييدا كبيرا لدى الرأي العام العربي (77%) لتنحي الرئيس السوري بشار الأسد مقابل 10% أيدوا حلا سلميا للقضية السورية، و3% أبدوا معارضة للثورة هناك.

وهذا يعني أن الرأي العام العربي لم يعد يحتمل ما يجري في سوريا ويحمل مسؤوليته الكاملة للأسد، وما النسبة البسيطة التي منحت للحل السلمي إلا دليل على أن العرب لم يعودوا يثقون بوعود النظام السوري ويستنكرون ما يحصل هناك من عمليات عنف وقتل وتنكيل.

ورغم إظهار هذا الاستطلاع أن 59% من مواطني المنطقة العربية غير منتسبين لأحزاب السياسية ولا يوجد حزب سياسي يمثلهم، فإن أغلبية المستطلعة آراؤهم (61%) أكدوا أنهم مهتمون -ولو بدرجات متفاوتة- بالشؤون السياسية في بلدانهم.

الأكثر تهديدا
والواضح أنه رغم الاحتقان الطائفي على خلفية القتال في سوريا ودخول حزب الله لنصرة النظام، لم تُغير نظرة العرب إلى البلدين الأكثر تهديدا لهم، حيث يوافق 73% من المستطلعين أنهما إسرائيل وأميركا، مقابل 12% لإيران. والملاحظ أن أكثر من ثلث المستطلعة آراؤهم في العراق والسعودية واليمن والكويت أفادوا أن إيران هي المصدر الأكثر تهديدا لبلادهم.

القضية السورية بكل تشعباتها السياسية والميدانية والدينية لم تخطف الأضواء من "القضية المركزية الأولى للعرب" (القضية الفلسطينية) بحسب رأي 84% من المستطلعين، ويشير الاستطلاع أيضا إلى أن نحو 79% من الرأي العام العربي يرى أن شعوب المنطقة تمثل أمة واحدة رغم بعض الاختلافات مقابل 14% يعتقدون أنها تمثل أمما وشعوبا مختلفة بينها روابط ضعيفة.

61% من المستطلعة آراؤهم قيموا ثورات الربيع العربي بطريقة إيجابية، مقابل 22% قالوا إنها سلبية

وفي خصوص ثورات الربيع العربي التي بات يصفها البعض بالخريف ويحملها مسؤولية الحال التي وصلت إليها الدول التي مرت بها، قيّم 61% من المستطلعة آراؤهم هذه الثورات بطريقة إيجابية مقابل 22% قالوا إنها سلبية، ويشرح الاستطلاع أن الموقف السلبي لا يعني موقفا معاديا بل بسبب الاستقطاب السياسي وعدم الاستقرار الأمني والسياسي في هذه البلدان.

ولكن المثير أن الرأي العام أجمع على أسباب اندلاع هذه الثورات وحصرها في أربعة، هي: الحكم التسلطي والفساد وتدهور الاقتصاد وغياب العدالة والمساوة، ولهذا يرى نصف المستطلعة آراؤهم أن صورة العرب في العالم بعد ربيعهم أصبحت أفضل و22% أكدوا أنها لم تتغير مقابل 20% يرون أنه أصبحت أسوأ مما كانت عليه.

ويتابع الاستطلاع في المنعطف التاريخي الذي مثله هذا الربيع ليؤكد أن أكثرية الرأي العام ترى أن الثورات نجحت أو تنجح في تحقيق الأهداف التي قامت لأجلها، مقابل 11% فقط قالوا إنها لن تنجح مطلقا.

الإسلام السياسي
وكانت الأحاديث كثرت عن مخاوف الشارع العربي من نفوذ الحركات الإسلامية ووصلت إلى حد تغيير مسمى الربيع العربي إلى "الربيع الإسلامي"، وظهور مصطلحات جديدة "كأسلمة" الدولة والمجتمع و"الأخونة"، حتى تحول "الإسلاموفوبيا" من الغرب للعرب. ويظهر هذا الاستطلاع أن نحو 50% من الرأي العام العربي ليس لديه مخاوف من زيادة نفوذ الحركات الإسلامية وصعودها، في حين أفاد 46% أن لديهم مخاوف متفاوتة.

50% من الرأي العام العربي ليس لديه مخاوف من زيادة نفوذ الحركات الإسلامية وصعودها، في حين أفاد 46% بأن لديهم مخاوف متفاوتة

وتتلخص هذه المخاوف في أن الحركات الإسلامية "لا تحترم مبدأ التداول السلمي للسلطة، وتقوم باستخدام الدين لفرض قيود على الحريات، وتفرض الرقابة على الصحافة، وأن تصبح القيِّمة على تفسير الدين أو تحابي المتدينين".

وفي المضوع الديني أيضا يظهر أن أغلبية الرأي العام العربي ترفض "تكفير" معتنقي الأديان الأخرى، كما أن الأكثرية ترفض دخول رجال الدين في السياسية وتأثيرهم على الناخبين، ويرفضون أيضا استخدام الدين من الدولة أو المرشحين لاستقطاب التأييد.

ورغم الثورات والاهتمام بالسياسة تبقى المشكلات الاقتصادية أولوية بالنسبة للعالم العربي، حيث رأى نصف مواطنيه أن مشاكل كالبطالة والفقر وارتفاع الأسعار تتقدم على الأمن الذي اعتبره 11% أهم مشكلة، والاستقرار السياسي الذي وصفه 10% بأنه المشكلة الأهم.

والصادم في الأرقام أن 92% من الرأي العام العربي مجمع على أن الفساد المالي والإداري ينخر الدول العربية مقابل 4% فقط يعتقدون أنه غير منتشر.

وفي موضوع التكنولوجيا ووسائلها الحديثة التي قلبت الموازين في الثورات العربية، كان الرقم غير متوقع، فـ55% من المستطلعة آراؤهم أفادوا بأنهم لا يستخدمون الإنترنت مقابل 42% قالوا إنهم يستخدمون الإنترنت بتفاوت.

المصدر : الجزيرة