خرج الجيش السوري ومسؤولو النظام والمقربون منه ومن حزب الله بعد معركة القصير ليتوعدوا بأن "النصر في معركة القصير سينسحب على الجغرافيا السورية ويستعيد النظام السيطرة على البلاد". ولهذا السبب بدأ يحشد نظام الأسد جنوده وقوات الحزب لشن عملية عسكرية أطلق عليها "عاصفة الشمال".

هذه "العاصفة" لم تكن بدايتها موفقة على ما يبدو حيث أُعلن مقتل أكثر من أربعين عنصرا من قوات النظام والحزب في كمين بين قريتي البوز وخناصر بريف حلب الجنوبي، وتبعه أيضا استهداف الجيش الحر لبلدتي نبل والزهراء المؤيدتين للنظام بريف المدينة أيضا.

الحديث في المعركة السورية لم يعد بكليتها بل بمحطات وجبهات ومناطق، والحال هكذا تبرز أهمية جبهة الشمال للطرفين من النواحي الإستراتيجية والإمداد والموقع الجغرافي.

مدير مركز الخليج للدراسات العسكرية رياض قهوجي يؤكد أنه بعد معركة القصير استعاد النظام ثقته بنفسه وبجيشه وخصوصا بعد مشاركة مقاتلين من حزب الله والحرس الثوري الإيراني يحملون عقيدة ذات بُعد مذهبي، وهؤلاء باتوا محل ثقة النظام -يواصل قهوجي- ورأس الحربة وعماد أي معركة قادمة، فالنظام المتفوق على المعارضة في التسلح وقوة النيران المدفعي والجوي لم يعد متخوفا من انشقاقات بجيشه إذا أرسله لمعركة جديدة.

المحطة التالية -وفق قهوجي- بعد القصير ستكون جبهة الشمال، وخصوصا أن النظام يملك معلومات عن توجه غربي لفرض منطقة حظر جوي لتأمين مناطق آمنة بالشمال وتعزيز قدرات الجيش الحر، ولهذا حشد نخبة جنوده وعناصر حزب الله على تخوم هذه الجبهة سعيا منه للسيطرة على الأرض ومنع إنشاء مناطق كهذه.

video
طويلة وشاقة ومكلفة
الخبير الإستراتيجي والعسكري العميد المتقاعد هشام جابر يرى أن معركة حلب ستكون أطول وأصعب وأشرس من معركة القصير، فمساحة حلب أكبر من مدينة القصير بنحو 15 مرة، ورغم حشد النظام فرقتين لمعركة حلب فإن السيطرة على هذه المدينة ستكون مكلفة ماديا وبشريا ومعنويا للطرفين.

صعوبة وشراسة وطول أمد المعركة، يؤكدها الخبير العسكري والإستراتيجي اللواء المتقاعد فايز الدويري الذي يرى أن المقارنة بين الجيشين النظامي والحر صعبة وغير منطقية، لأن الأول أُعد على مدى أربعين عاما لمواجهة إسرائيل، وأضيف إليهم اليوم قوات من حزب الله تُقدر بعشرة آلاف من قوات النخبة وقوات من الحرس الثوري الإيراني والمليشيات العراقية.

أما الجيش الحر فهو يتمتع بالبعد المعنوي والإصرار على تنفيذ الواجب بإسقاط النظام، والحفاظ على مكتسباته والدفاع عنها حتى آخر طلقة.

أما لمن ستكون الغلبة والسيطرة بالنهاية، يجيب جابر بأنها للنظام لأنه متفوق عسكريا، ويتابع أن النظام اتخذ قرارا بحسم معركة حلب بصرف النظر عن الكلفة، وهو مصر على السيطرة على المدينة ومطاراتها ومواقعها الحيوية وطرقاتها التي تعد خطوط إمداد رئيسية، وسيقوم أيضا بدفع ما تبقى من المجموعات المسلحة لأرياف المدن.

الاختلافات بين القصير والجبهة الشمالية بالنسبة لقهوجي تكمن في أن القصير كانت منطقة محاصرة تفتقد الدعم والإسناد للثوار، بينما الدعم كان مفتوحا لقوات النظام وحزب الله عبر الحدود اللبنانية.

حذر الدويري أنه إذا لم يتم تزويد الجيش الحر بالسلاح النوعي لمواجهة ترسانة النظام "فيقسم ظهر الثورة"

ثلاث جهات
أما جبهة الشمال فستكون صعبة جدا على حزب الله لأن المسافة بينها وبين الحدود اللبنانية بعيدة جدا مما يجعل خطوط الإمداد مرهقة وغير آمنة، على عكس خطوط الإمداد لمقاتلي المعارضة التي ستكون آمنة ومفتوحة من الحدود التركية التي يسيطر الثوار على كافة معابرها الحدودية، وفق قهوجي، فالنظام "بحاجة لآلاف العناصر للسيطرة على أجزاء كبيرة من ريف حلب ليقوم بالالتفاف على مدينة حلب وقطع خطوط الإمداد على الثوار".

بالنسبة للدويري،  بُعد حلب عن الحدود اللبنانية لن يؤثر على عناصر حزب الله لأن عناصره تُنقل بالطائرات إلى منطقتي نبل والزهراء وبالتالي تم اختصار المسافة، لكن المشكلة في الإمدادات العسكرية واللوجستية التي ستبقى من خلال الطائرات، وهذا لا يُغني عن الإمداد البري لأن "المعارك الطاحنة" تحتاج لكميات ضخمة جدا من الإمداد وأيضا عمليات الإخلاء الطبي للجرحى.

الجيش النظامي، وفقا لجابر، سيحاصر حلب من ثلاث جهات (الشرقية والجنوبية والغربية) وسُيبقي الجبهة الشمالية مفتوحة لسببين أولهما لأنه لا يستطيع "إذا سيطر على المدينة أن يدير ظهره للمجموعات المسلحة التي تسيطر على ريف حلب، والآخر اعتماده تكتيك القصير بالسماح للمسلحين بالهروب وللمدنيين بالفرار لأن عدد سكان مدينة حلب الآن نحو نصف مليون، فبقاء هؤلاء فيها "يحدث كارثة إنسانية ويؤدي لسقوط دماء كثيرة".

وحذر الدويري من أنه إذا لم يتم تزويد الجيش الحر بالسلاح النوعي لمواجهة ترسانة النظام "فيقسم ظهر الثورة" وتحدث أن الجيش النظامي سيعمد لبناء القوة بمنطقتي نبل والزهراء وثم يحاول التحرك على الطرق الرئيسية التي تقود للجزء الغربي من حلب، ويتحرك بقوات أخرى لقطع طرق الإمداد من تركيا، بينما تكون إستراتيجية الحر القتال "في عُقد المواصلات والأراضي التعبوية ونصب الكمائن دون مواجهات حاسمة حتى لا يخسر الكثير".

المصدر : الجزيرة