البعد الاقتصادي لاحتجاجات تركيا
آخر تحديث: 2013/6/12 الساعة 18:21 (مكة المكرمة) الموافق 1434/8/4 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/6/12 الساعة 18:21 (مكة المكرمة) الموافق 1434/8/4 هـ

البعد الاقتصادي لاحتجاجات تركيا

الاحتجاجات بدأت سلمية ثم تحولت للعنف بعد الاشتباكات مع قوات الأمن (الفرنسية)

مصطفى رزق

لم يكن للاحتجاجات التي تشهدها تركيا منذ بداية الشهر الجاري أسباب اقتصادية، إلا أن المخاوف من انعكاس آثار اقتصادية سلبية محتملة لهذه الاحتجاجات بدأت تتصاعد في الآونة الأخيرة، وظهرت بوضوح في تحذيرات عدد من المسؤولين الأتراك على رأسهم رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، ووزير الاقتصاد ظفر جاغليان.

الاحتجاجات التي بدأت للاعتراض على إزالة حديقة جيزي العامة في قلب إسطنبول -بحسب الرواية الرسمية- تحولت مع المواجهات بين المتظاهرين وقوات الشرطة، إلى موجات احتجاجية شملت مدنا أخرى، وباتت تهدد اقتصاد تركيا المتنامي الذي يحتل المرتبة الـ17 على مستوى العالم.

وبحسب تصريحات لوزير الداخلية التركي معمر غولر، تقدر الخسائر الاقتصادية لحركة الاحتجاج بنحو سبعين مليون ليرة (نحو 37 مليون دولار)، وهو مبلغ بسيط جداً مقارنة بإجمالي الناتج المحلي البالغ 770 مليار دولار.

ويُعد القطاع السياحي -أحد القطاعات الأساسية للاقتصاد التركي- والاستثمارات الأجنبية التي كان لها دور كبير في نمو الاقتصاد، وسوق المال، أكثر القطاعات التي يخشى تأثرها بهذه الاحتجاجات حال استمرارها.

وبحسب تصريحات رئيس اتحاد الفنادق التركية عثمان أييك فإن المظاهرات "أقلقت" العديد من السياح الأجانب، وخاصة حول منتزه جيزي وفي ميدان تقسيم بمدينة إسطنبول التي تجذب سياحا أكثر من المدن الأخرى، كما أن العديد من السياح -لا سيما الذين يأتون بهدف الأعمال- شرعوا في إلغاء رحلاتهم.

وتسببت الاحتجاجات كذلك في خسارة الليرة التركية مزيدا من قيمتها أمام الدولار الأميركي، فيما بلغت كلفة التأمين على الديون السيادية للبلاد أعلى مستوى لها منذ نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

وفي نهاية الأسبوع الماضي أكدت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني أن انعكاس المظاهرات على الاقتصاد التركي لا يزال ضعيفاً، ولا يؤثر في التصنيف الحالي لتركيا في مجال الاستثمار.

ولكن الوكالة حذرت السلطات التركية من أن كل شيء يرتبط بطريقة تعاطيها مع المتظاهرين، وفي حال حصل تدهور فإن الوضع قد ينعكس سلباً على الاقتصاد. 

باكير استبعد أن تهدد الاحتجاجات
وجود
حكومة أردوغان (الجزيرة-أرشيف)

تأثير محدود
في هذا الإطار يرى الباحث في منظمة البحوث الإستراتيجية الدولية (أوساك) والمتخصص بالشأن التركي، علي حسين باكير، أن الاحتجاجات بدأت تنحسر بعد إعلان أحزاب المعارضة انسحابها، مشيرا إلى أن الحركة الاحتجاجية منذ البداية محدودة في المكان والزمان والتأثير.

ويستبعد باكير في تصريحات للجزيرة نت أن تؤثر هذه الاحتجاجات على الاقتصاد التركي للدرجة التي تهدد وجود حكومة رجب طيب أردوغان، مشيرا إلى أن الانعكاسات السلبية التي شهدها سوق الأوراق المالية بدأت في الانحسار.

كذلك فإن الاستثمار من الصعب تأثره بالأحداث، لأن المستثمرين ينظرون دائما للمدى البعيد وهو أمر مشجع في تركيا، وكذلك السياحة، فتركيا تزخر بالعديد من الأماكن السياحية وهي أكبر من أن يتم اختصارها في ميدان تقسيم بإسطنبول.

أما على الصعيد الخارجي فيشير باكير إلى وجود قوى إقليمية ودولية تحاول استغلال وتوظيف الاحتجاجات لضرب التطور الاقتصادي التركي، والمنجزات التي حققتها حكومة حزب العدالة والتنمية خلال السنوات الأخيرة، وأضاف أن غالبية المحتجين الموجودين حاليا في ميدان تقسيم من أنصار الأحزاب اليسارية الراديكالية والشيوعية الذين لا يهتمون بالأثر الاقتصادي على البلاد، بحسب قوله. 

دعم داخلي
من جهته، اعتبر الباحث التركي عمر دوران أن التحول الذي شهدته الاحتجاجات التي بدأت بشكل مدني سلمي، ثم تحولت فيما بعد إلى العنف والاشتباكات مع قوات الأمن، فضلا عن الطابع التنظيمي للمحتجين، يدل على أن هناك أموالا تم ضخها من قبل من أسماهم "رؤوس أعمال معادية لأردوغان"، وهو ما تحدث عنه رئيس الوزراء ونائبه علي باباجان بشكل مباشر عندما اتهم "لوبيات الفائدة" بأنها وراء التصعيد.

دوران: لقاء أردوغان بقيادات الاحتجاجات بداية الخروج من المأزق (الجزيرة نت)

وأوضح دوران أن هناك بعض رجال الأعمال "المنزعجين" من حكومة أردوغان، استغلوا الأحداث لتوجيه ضربة لحكومته، ومن بينهم مسؤولون كبار في دوائر اقتصادية مؤثرة كالبنوك، إلا أنه استدرك مؤكدا أن هذا لا يعني أن كل الاحتجاجات والمسيرات مدعومة من أطراف داخلية أو خارجية في تركيا.

واستبعد المحلل السياسي التركي أن تسفر الاحتجاجات عن إسقاط أردوغان كما حدث في بعض الدول العربية، مؤكدا أن مقارنة أردوغان بمستبدين من أمثال حسني مبارك في مصر أو بن علي في تونس وغيرهما "ظالمة وغير منطقية"، في ظل الشعبية التي يحظى بها أردوغان في الشارع التركي.

وأضاف أنه لو استمرت الاحتجاجات بشكل سلمي دون تحريض أو عنف لساهمت في انخفاض شعبية أردوغان، لكن ما حدث هو العكس، خاصة أن بعض المحتجين رفعوا لافتات تسيء إلى صورتهم في داخل تركيا وخارجها، خاصة تلك التي تؤيد الرئيس السوري بشار الأسد وتطالب في الوقت نفسه برحيل أردوغان.

ويرى دوران أن رئيس الوزراء قادر على الخروج من المأزق الحالي، وهو ما بدأه بالفعل بالإعلان عن لقاء يجمعه بقادة الاحتجاج في محاولة لتفهم مطالبهم.

المصدر : الجزيرة