أحد مراكز معالجة المدمنين في طهران التي تعمل تحت رعاية دائرة الرعاية الطبية ووزارة الصحة (الجزيرة نت)

 فرح الزمان أبو شعير-طهران

دارابي مواطن إيراني في أواخر الأربعينيات، عانى من الإدمان وتبعاته لسنوات عدة. مسقط رأسه شكل أحد أهم عوامل إدمانه لأن المخدرات تنتشر فيها وتباع بثمن زهيد، فهو من قرية قريبة من مدينة مشهد غير البعيدة عن حدود أفغانستان المنتج والمصدر الأول للمخدرات في العالم.

حالة دارابي هذه باتت شائعة في المجتمع الإيراني، حيث تحول الإدمان في إيران إلى مشكلة كبيرة وظاهرة دفعت ببعض مرشحي الانتخابات الرئاسية المقررة في 14 من الشهر الجاري، للتركيز عليها في برامجهم الانتخابية وتقديم حلول لهذه المشكلة.

ويتابع دارابي -الذي قرر مشاطرة الجزيرة نت قصته علها تنقل رؤيته وتفيد بشكل أو بآخر في وضع حد لنسب الإدمان العالية في البلاد- أن تعاطي المواد المخدرة تحول إلى ظاهرة تنتشر بين غالبية السكان في هذه المنطقة القريبة من الحدود الأفغانية.

اقرأ أيضا صفحة خاصة عن الانتخابات الإيرانية

ويضيف "تدهورت صحتي كثيراً ووصلت إلى حد عرفت فيه أنني سأموت، فكان علي الاختيار بين الانتحار أو اتخاذ قرار جدي بالتوقف عن التعاطي". يضيف دارابي الذي تركت هذه "التجربة" آثارها على وجهه، أنه جرب كافة أنواع العلاجات من الطب الصيني مرورا بالبديل وصولا لالتحاقه بمراكز معالجة الإدمان، ولكنه كان ينقطع لفترة ومن ثم يعاود الكرّة.

لكنه استدل بنهاية المطاف إلى الطريق الذي ساعده على التخلص من الإدمان، حيث انضم لمجموعة تختص بمعالجة الإدمان مكونة من أخصائيين اجتماعيين وأطباء متخصصين فضلاً عن أشخاص تعافوا من الإدمان، يشكلون حلقة يتواصلون فيها مع بعضهم ويتحدثون عن تجربتهم وكيف أثرت بهم سلباً، ويلتقون ثلاث مرات أسبوعياً على الأقل.

الشريحة المستهدفة
ومن خلال تجربته يرى دارابي أن "الإرادة هي مدخل الإقلاع عن الإدمان ثم الخطوة الأكثر تأثيراً هي التوعية"، وهذا ما تحقق بالمبادرة التي قدمتها جمعيات ونقابات معنية بهذا الأمر فشكلت لهم تلك الحلقة الاجتماعية"، معتبراً أنه يجب التركيز على توعية العائلة باعتبارها النواة الأصلية في المجتمع.

دارابي: الإرادة مدخل الإقلاع عن الإدمان ثم الخطوة الأكثر تأثيراً هي التوعية (الجزيرة نت)

وبما أن الشباب هم الشريحة الكبرى المستهدفة من مروجي المخدرات، دعا درابي لجذب الشباب الإيراني إلى حلقات التواصل لتوعيتهم من مخاطر المخدرات، معتبرا أن هذا يتطلب عملاً منظماً وموزعاً في كل أرجاء البلاد.

كلام دارابي عن تجربته ورؤيته للحل غاب عنها أساس المشكلة، والسؤال لماذا يضطر الشباب الإيراني الذي يمثل نحو 65% من الشعب لتعاطي المخدرات؟ الجواب جاء من أحد الشباب الذي رأى في البطالة والفقر اللذين يؤديان إلى الإحباط والضياع السبب الرئيس والأساسي في إدمان الشباب.

تفشي هذه الظاهرة وضربها لعماد المجتمع الإيراني ووصول عدد متعاطي المخدرات إلى نحو مليونين وفق إحصاءات رسمية، فضلاً عن أعداد أخرى غير مسجلة، جعلت الإيرانيين يرفعون الصوت ويطالبون بضرورة إيجاد حلول جذرية لمواجهة تفاقم الأزمة.

ويدرك المرشحون للرئاسة أهمية هذه المشكلة، فالمرشح المستقل محسن رضائي كان قد ركز عليها في برنامجه الانتخابي، مؤكداً ضرورة الانطلاق من حلحلة المشكلات الاقتصادية كالفساد والرشوة والبطالة مما سيؤثر إيجاباً على الكثير من المشكلات الاجتماعية، ومنها تعاطي المخدرات.

أما المرشح الإصلاحي المنسحب محمد رضا عارف فوضع برنامجا خاصا لمعالجة هذه المشكلة الاجتماعية يطبقه بحال تم انتخابه رئيسا.

مسببات ومعالجات
أما من يتعامل عن قرب مع المدمنين فيرى أن هناك عوامل اجتمعت مع بعضها لدفع الوضع للتدهور، فكما أن هناك أسبابا تعود لتضاريس جبلية صعبة تمتد على طول ثمانمائة كيلومتر على الحدود الإيرانية مع أفغانستان، مما يصعب مهمة شرطة الحدود، فهناك عوامل اقتصادية واجتماعية كثيرة، كما يقول مدير مركز الشفاء المتخصص بمكافحة الإدمان، الدكتور أمين باغاني.

باغاني: رخص سعر المخدرات والفقر والإحباط تدفع الشباب للهروب من العالم الحقيقي (الجزيرة نت)

ففضلاً عن السعر المنخفض للمواد المخدرة ومشاكل الفقر، يعتبر باغاني أن إيران التي مرت بثماني سنوات من الحرب مع العراق، خلفت جيلاً محبطاً يعاني من مشاكل نفسية، وهو ما يؤدي لمحاولة تهربهم من العالم الحقيقي، فيجدون الخلاص في المخدرات.

ويضيف أن دراسات أخيرة أثبتت أن العامل الوراثي يساهم في نقل هذه المشكلة من جيل لجيل، وهذا ما يؤدي للانتشار الواسع.

وعن الحلول يشير باغاني إلى أنه يوجد مراكز طبية كثيرة في إيران متخصصة بعلاج الإدمان، ولكن يجب اتباع مقولة (الوقاية خير من العلاج)، وهذا يتم بحملات التوعية ولا سيما بين الأطفال والعائلات، فضلاً عن سعي المعنيين الجدي لرفع مشكلة الفقر بين المواطنين.

من الناحية الرسمية، تحدث المعنيون في دائرة مكافحة المخدرات أخيراً عن دورات قتالية تدريبية لحرس الحدود، كما يخططون لبناء جدار عازل بطول ستمائة كيلومتر وتزويده بالتقنيات المطلوبة لوقف ضخ المخدرات من أفغانستان إلى الأراضي الإيرانية.

بعض الإجراءات وفق هذه الدائرة أدت لتخفيض حجم عمليات التهريب إلى النصف، فالتركيز على الحدود هو الأهم بالنسبة لهؤلاء حالياً.

المصدر : الجزيرة