غلاء أسعار الأدوية في الأردن يحول دون مراجعة معظم السوريين للاختصاصي النفسي (الجزيرة نت)

 ناريمان عثمان-عمان

أصبح البالغون من النازحين السوريين أكثر انفتاحا على فكرة اللجوء إلى الطبيب النفسي وطلب مساعدته، بسبب واقعهم المرير حيث لم يعد الواحد منهم ينظر إلى مشكلته النفسية على أنها وصمة يجب أن يتستر عليها فالكثيرون الآن يتشاركون الواقع ذاته.

هذا ما يعتقده الطبيب النفسي محمد أبو هلال الذي أسس مع مجموعة من الاختصاصيين السوريين والأردنيين جمعية "المستقبل الزاهر" للخدمات النفسية، والتي تقدم مجموعة من البرامج العلاجية والتدريبية للنازحين السوريين الذين تضرروا من الحرب في بلادهم.

وفي حديثه للجزيرة نت قال أبو هلال إن الآثار النفسية للعنف في سوريا ستظهر بشكل جلي خلال السنوات القادمة، فجروح الناس لا تزال ساخنة ولم تلتئم بعد وهم مشغولون الآن في الكفاح من أجل البقاء.

الأطفال هم الشريحة الأكبر المستفيدة من خدمات الدعم النفسي للمركز (الجزيرة نت)

آثار الحرب
وبيّن أن العائق المادي أيضا مهم في حالات هؤلاء الذين يحتاجون الخدمات النفسية، حيث إن أسعار الأدوية وتكاليف التنقل في الأردن تعتبر غالية بالنسبة لمعظم السوريين، مما يحول دون وصولهم إلى الاختصاصي حتى وإن كانت المراجعة مجانية.

وأضاف أبو هلال أنهم يقدمون مبلغا ماليا صغيرا للمريض ليغطي نفقة وصوله إلى مركز الجمعية، وهذه المبالغ يقتطعونها من نفقاتهم الإدارية في محاولة لإيصال الخدمات لمن يحتاجها.

وتختلف الأمراض التي يشكو منها اللاجئون فهناك حالات لمرضى مزمنين يحتاجون الأدوية بشكل مستمر، وآخرون يعانون من آثار الحرب والتهجير فتظهر عليهم أعراض الاكتئاب والقلق وأعراض ما بعد الصدمة.

وتقول الإحصاءات إن الصدمات التي يتعرض لها الناس نتيجة كوارث طبيعية أثرها النفسي أقل من تلك الناتجة عن فعل البشر، كما أن الحدث الذي يقع لمرة واحدة أقل تأثيرا من الأحداث التي تستمر لوقت طويل، وفي الحالة السورية نحن نقف أمام حدث رهيب منذ سنتين، فبعض المرضى الذين حققنا تقدما معهم خلال مجموعة من الجلسات انتكست حالتهم بسبب استمرار الأخبار السيئة القادمة من سوريا عن ذويهم، بحسب أبو هلال.

مصاعب
ويتفق الاختصاصي النفسي عبادة الطيبي مع سلفه في أنهم يتأثرون بالظروف العصيبة التي تمر بها بلادهم كمواطنين قبل أن يكونوا اختصاصيين نفسيين، وأنهم مثل البقية ينشغلون بأهاليهم وأصدقائهم في الداخل، وأجبرهم التعرض للاعتقال بسبب نشاطات تتعلق بالثورة على الفرار من سوريا.

وهم الآن يتعاونون ضمن فريق واحد لمساعدة ضحايا الحرب حيث أكد أن تأمين الأدوية النفسية تشكل معضلة كبيرة أمام المرضى اللاجئين، إذ لا تقوم أية جهة طبيبة بصرف هذه الأدوية لهم.

الصدمات التي يتعرض لها الناس نتيجة كوارث طبيعية أثرها النفسي أقل من تلك الناتجة عن فعل البشر، كما أن الحدث الذي يقع لمرة واحدة أقل تأثيرا من الأحداث التي تستمر لوقت طويل

وقال الطيبي إن الكثير من المرضى جاؤوا من سوريا وكانت حالاتهم مشخصة سابقا وتمت معاينتهم من جديد ولكن لتعقيدات قانونية لا يمكن للأطباء السوريين هنا أن يصرفوا لهم أدويتهم، إذ قد يأتي مريض اكتئاب شديد ولديه أفكار انتحارية وبحاجة ماسة للدواء ولكن لا يمكن تأمينه.

من ناحية أخرى أوضح أنهم كانوا غير متيقنين من تقبل اللاجئين السوريين لتلقي المساعدة النفسية من اختصاصيين أردنيين، وكان الطيبي قد طلب من زميلته الطبيبة فايزة أبو جادو أن تتهيأ لأي رد فعل قد يكون غاضبا، فاللاجئون يميلون إلى الغضب وتعميم انطباعاتهم.

لكن وعلى خلاف التوقعات أبدت العائلات السورية التي زارها اختصاصيون أردنيون الكثير من التقدير لهم، وقالت فايزة إنها تتعاطف مع السوريين في هذه المرحلة كونها فلسطينية وتعرف ماذا يعني اللجوء.

وقالت "فاجأني كم يمتلك السوريون من الجلد والصبر وحتى روح الفكاهة وكنت ألتقي بعائلات تركت كل شيء وراءها ووصلت الأردن بعد رحلة عذاب ومع ذلك كانوا يقابلونني بصدر رحب".

وتسعى فايزة عبر لقائها بتلك العائلات لتعزيز فكرة أنهم ناجون وليسوا ضحايا، وتحاول لفت انتباههم إلى الأشياء الإيجابية التي ما زالوا يمتلكونها.

جدير بالذكر أن المركز يقوم بتنفيذ مجموعة من المشاريع لشرائح اجتماعية مختلفة من أطفال وأمهات وذوي احتياجات خاصة، ويهتم بتدريب هؤلاء على التعامل مع ظروف الأزمات والحروب لاستعادة حد أدنى من الشعور بالأمان.

المصدر : الجزيرة