حي الفاروق سمي تيمنا بالخليفة عمر بن الخطاب أثناء زيارته للقدس  (الجزيرة نت)

وديع عواودة-القدس المحتلة

يجسّد حي "الفاروق" بـالقدس المحتلة مأساة هذه المدينة، فهو محاصر من عدة جهات وسكانه يحرمهم الاحتلال من البناء فوق أراضيهم بشتى الذرائع، كما يحرمهم من الخدمات الأساسية، مما يعده مراقبون "تهجيرا صامتا" لهؤلاء السكان.

والفاروق حي محصور بين بلدتي الثوري وجبل المكبّر، وهو امتداد لبلدة سلوان، يسكنه نحو 3500 شخص يعانون مثل أهاليهم بسلوان المجاورة من هدم للمنازل وفرض الغرامات الباهظة.

وجاءت تسمية الحي التاريخي بـ"الفاروق" تيّمنا بزيارة الخليفة عمر بن الخطاب للقدس غداة فتحها حيث أطل على المدينة من هذا الموقع.

ويمتاز حي الفاروق بإشرافه على شطري القدس الشرقية والغربية، وكان المندوب السامي البريطاني في فترة الانتداب قد اختار أراضي الحي المرتفع والجميل لبناء قصره المستخدم اليوم مقرا للأمم المتحدة.

فتحي هلسة من حي الفاروق حذر من التعويل على المسارات القضائية فقط (الجزيرة نت)

لكن جمالية موقع الفاروق لم تسعف سكانه، فهم بلا خدمات  وحتى صناديق بريدهم وضعت بشارع صلاح الدين الأيوبي في البلدة القديمة. كما أن الحي مهدد من بلدية الاحتلال، بمصادرة المزيد من أراضيه التي يقضم منها مرة تلو الأخرى منذ احتلال القدس الشرقية عام 67  بذريعة "الصالح العام" وبناء متنزه والمحافظة على "أرض الدولة".

المجابهة الشعبية
ويوضح عضو اللجنة الشعبية في الحي مازن أبو كلبين أن مساحة الأرض المسموح بها للبناء في الفاروق لا تتجاوز الـ25%، لافتا أن ذلك جزء من تضييق الخناق على الأهالي وتهجيرهم الصامت. ويشير أبو كلبين للجزيرة نت إلى أن أصحاب 30 منزلا تلقوا في الشهر الأخير إخطارات هدم بذريعة عدم وجود تراخيص فيما يضطر عشرات آخرون لدفع غرامات باهظة مرات متتالية.

ويتساءل المواطن فتحي هلسة بلهجة غاضبة: كيف وأين نبني طالما يحرمنا الاحتلال من أراضينا؟ موضحا للجزيرة نت أن التجربة تدلل على أن مجابهة مثل هذه المخططات الخطيرة لا تتم إلا بالتصدي الشعبي لها بموازاة ضغوط سياسية، محذرا من التعويل على المسارات القضائية فقط.

ويؤكد مدير جمعية الدراسات العربية خليل توفكجي أن الاحتلال يحوّل مساحات واسعة في "الفاروق" لمناطق خضراء ويتيح البناء بربع أراضيه فقط من أجل تحقيق أطماعه الكبيرة بالتوسع والتهويد.

موقع إستراتيجي
ويشير التوفكجي للجزيرة نت إلى أن الفاروق مستهدف لكونه موقعا إستراتيجيا يشرف على السفوح الجنوبية للبلدة القديمة ومحاط بنقاط استيطانية أبرزها مستوطنة "نوف تسيون".

وأشار إلى أن هذا جزء من إستراتيجية إسرائيلية قديمة تهدف لضبط النمو الديموغرافي للعرب في المدينة سبق أن وضعتها رئيسة حكومة إسرائيل السابقة غولدا مائير وأعلن عنها في 1972.

وتهدف السياسة التي تواصل إسرائيل الالتزام بها لمنع تجاوز نسبتهم الـ22% في المناطق داخل حدود بلدية الاحتلال في إطار الجهود لتهويدها.

ويوضح مدير جمعية الدراسات العربية خليل توفكجي للجزيرة نت أن الاحتلال استخدم عدة وسائل للحيلولة دون النمو السكاني العربي، ومنها مصادرة الأراضي ومحاصرة البناء بلجان التخطيط والبناء، هدم المنازل، قانون "أملاك الغائبين" وسحب بطاقات الهوية، مشيرا إلى أن هذه الوسائل لم تنجح وزادت نسبة العرب في المدينة بحدود منطقة نفوذ البلدية من 22% في 1967 حتى 36% اليوم.

خليل التوفكجي: هناك إستراتيجية إسرائيلية تقضي بضبط النمو السكاني (الجزيرة نت)

جدار ديموغرافي
ويؤكد التوفكجي أن الاحتلال بادر ببناء جدار الفصل وعزل أحياء كاملة في القدس كمخيم شعفاط وحي سميراميس وضاحية السلام كوسيلة جديدة لمحاصرة النمو السكاني العربي، وبواسطة الجدار أخرج 125 ألف شخص عربي.

يشار أن أقوال التوفكجي تتطابق مع معطيات تقرير لمنظمة "السلام الآن" الإسرائيلية عام 2008 حول قيام سلطات الاحتلال بـ"ترحيل هادئ" للفلسطينيين في القدس وبعض مناطق الضفة الغربية عبر هدم منازلهم بذريعة بنائها من دون ترخيص مقابل مضاعفة البناء للمستوطنين اليهود.

وتؤكد هذا الأمر أيضا معطيات الجمعية الحقوقية "عير عميم" التي تشير إلى أن مدينة القدس شهدت في العام 2012 أعلى وتيرة استيطان في العقد الأخير، حيث صادقت إسرائيل على 2386 وحدة سكنية بالقدس، مقابل معدل سنوي قدره 727 وحدة سكنية في العقد الأخير.

وينبه التوفكجي إلى أن إسرائيل لم تتوقف عن تطبيق مشروعها الخطير "القدس 2020" في العام 1994 الذي يرمي لضمان سيادتها الحصرية ومنع تقسيم المدينة. ويتابع "بالعكس بعد اتفاق أوسلو شهدت القدس نشاطا محموما من ناحية التهويد ومصادرة الأرض".

وأشار إلى أن الاحتلال صادر منذ العام 1967 نحو 14 كلم مربعا في القدس الموسعة أي 34% من مساحتها وأن ما يتعرض له "الفاروق" جزء من إستراتيجيته.

المصدر : الجزيرة