من الشائع أن تجد في حلب علامات تحذير من وجود قناص (الجزيرة نت)

لقاء مكي-حلب

يهرول أبو خالد خافضا رأسه، ليعبر شارعا أقيم في نهايته ساتر ترابي. وهو يحاول أن يبقي جسده دون ارتفاع الساتر، لكن مشكلته أنه طويل وممتلئ الجسم، ومحاولته لن تكون مثالية للتخلص من قناص يكمن في بناية عالية وبعيدة، لكنه في النهاية لا بد أن يحاول، فذلك هو طريقه اليومي من بيته إلى السوق، ولن يسجنه الخوف من القناص في بيته على كل حال.

وحكاية أبو خالد تتكرر في كل ساعة مع الحلبيين الذين باتت مدينتهم تغص بالحياة رغم أن كثيرين منهم مضطرون للتعامل مع حالات تهديد جدية قد لا يصادفها المرء إلا في ساحات الحرب، وحلب هي ساحة حرب يعيش فيها ملايين المدنيين.

ومن يزر حلب يتوجب عليه أن يتعرف أنماط حياتها الجديدة، ومن بين ذلك كيفية تجنب رصاص القنص، والعودة من رحلة المشاوير اليومية إلى البيت بسلام.

تحذير بكل مكان
وقد بات شائعا أن تجد أمامك على مفارق الطرق لوحات كتبت بلا اعتناء تحذرك من التقدم، وإلا فستكون في مرمى قناص يربض في مكان ما، وإن لم تطالعك لافتة تحذير، فسيواجهك في أماكن كثيرة في المدينة ساتر ترابي أو بقايا حافلة أو مركبة محطمة، وضعت على مدخل شارع، ليكون ذلك تنبيها على وجود قناص في الجهة الأخرى من المدينة.

قلعة حلب من بين عدة أماكن مفضلة للقناصين في الجيش النظامي (الجزيرة نت)

وربما تكون حلب المدينة السورية الأكثر تعرضا لظاهرة القناصة، ففي هذه المدينة خطوط متداخلة بين الأحياء التي يسيطر عليها النظام وتلك الخاضعة لسيطرة الجيش الحر، وهذا التداخل يمتد على مسافات طويلة تتجاوز 15 كيلومترا من (الحدود) القتالية التي فرضها الأمر الواقع.

وعادة يتمركز القناصون على الأماكن المرتفعة في حلب، ومن بين أبرز هذه الأماكن برج القصر البلدي المؤلف من نحو 30 طابقا، وقلعة حلب، ومبنى الإذاعة القائم على مرتفع، وجميع هذه الأماكن تقع في منطقة سيطرة النظام.

ويقول الناشط كريم عبيد إن القناصين يعملون وفق تكتيكات باتت معروفة، لكن لا يمكن تجنبها في كثير من الأحيان، ومن بين هذا التكتيكات أن يقوم القناص بضرب شخص مدني وغالبا يكون امرأة أو طفلا في جزء غير قاتل من الجسد، والهدف هو جعل الضحية طعما لاستدراج ثوار متواجدين عادة في المكان ولكن خارج مدى رؤية القناص. يهب المقاتل الثائر لنجدة الضحية فيكون هدفا سهلا للقنص بقصد القتل هذه المرة.

ويضيف أن القناص قد يقوم بتوجيه رصاصة غير قاتلة لهذا المقاتل، بقصد استدراج عنصر آخر من الثوار لنجدة الاثنين، فتكون عند القناص حينها فرصة سانحة لقتل الثلاثة مجتمعين.

وقال عبيد إن تكتيكا آخر بات معروفا أيضا، يشترك فيه قناصان يطلق أحدهما النار نحوك ليجعلك تهرب في اتجاه معين تكون فيه في مرمى القناص الآخر الذي يصيبك بغرض القتل.

حافلة لحماية الناس من القناصة بحلب (الجزيرة نت)

ضحايا القنص والقصف
ويأتي عدد ضحايا القنص في المرتبة الثانية من إجمالي الضحايا في حلب بنسبة 30%، بعد ضحايا القصف الذين تصل نسبتهم إلى 50%، فيما يشكل ضحايا القتال 20% فقط، وبالطبع معظم ضحايا القصف والقنص هم من المدنيين.

ويقول عبيد إن "أخطر المناطق في مدينة حلب هي ما يسمى بكراج الحجز في حي بستان القصر، فمن هناك يعبر السكان بين جانبي المدينة تحت أبصار قناصي قوات النظام مباشرة، من غير أن تكون للسكان حيلة في تجنب القنص أو عدم العبور، فكل منهم يجب أن يصل إلى عمله أو أقاربه أو بيته في جانب الجيش الحر أو النظام، وليس أمامه سوى هذا الطريق، وكل ما يمكن أن يفعله هو أن "يدعو الله بالسلامة".

أما أبو خالد الذي ما زال عليه أن يقطع رحلة العودة إلى بيته مارا بنفس الساتر الترابي، فهو يتمنى لو أن "الشباب" قد جعلوه أعلى بقليل ليكون أكثر أمنا، لكنه مع ذلك يقول إن الحواجز والسواتر الترابية التي وضعها الثوار أنقذت الكثير من الأرواح، رغم أن حلب لم تعد هي حلب التي يعرفها وأصبحت ساحة حرب وقودها الناس من المدنيين.

المصدر : الجزيرة