عبد الرحمن "قاشوش صغير" ينشد للمتظاهرين في منطقة بستان القصر بحلب

لقاء مكي-حلب

للقاشوش في سوريا حكاية بدأت بعد بضعة أشهر من الثورة، وتحولت بسرعة من مبادرة إلى دور، حتى ما عادت مظاهرة في البلاد تخلو من قاشوش يلهب الحماس ويثير المشاعر، ويردد بنمط إنشادي خاص شعارات تجسد ما خرج من أجله المتظاهرون، وأصبح لكل منطقة "قواشيشها".

ولم يكن للقاشوش قبل الثورة أصل أو أثر، بل إن التسمية ذاتها ليست غير اسم العائلة لإبراهيم القاشوش الناشط الثوري الحموي الذي تقدم المظاهرة الشهيرة بساحة العاصي في حماة الأول من يوليو/تموز 2011، وشارك فيها ما يزيد على نصف مليون شخص، وكانت من مظاهرات الثورة السورية الكبرى.

في تلك المظاهرة التي نظمت في جمعة عرفت بـ"جمعة ارحل" أنشد إبراهيم القاشوش "يلا ارحل يا بشار" ملهبا حماس تلك الجموع الغفيرة، ومؤسسا لنمط تنظيمي ودعائي أصبح جزءا أساسيا من المظاهرات في سوريا.

وبعد تلك المظاهرات -التي سقط فيها عدد من القتلى- قامت أجهزة الأمن بحملة اعتقالات شملت -حسب ناشطين- إبراهيم القاشوش نفسه الذي وجدت جثته في اليوم التالي مرمية في نهر العاصي وقد اقتلعت منها حنجرته.

المتظاهرون عادة يؤدون الدبكة باحتجاجاتهم مع إنشاد القاشوش

انتشار بدل الردع
ويعتقد الناشطون أن الطريقة القاسية التي قتل بها القاشوش واقتلاع حنجرته كانت تهدف -حسبما يبدو- إلى ردع معارضي النظام عن تجاوز حدود معينة بحسابات تلك الفترة، كما كانت محاولة لردع انتشار أو استمرار هذا النمط الغنائي الحماسي الموجه مباشرة إلى رئيس البلاد.

لكن الأمور جرت بطريقة معاكسة تماما، فرغم أن قوات الأمن نفت مسؤوليتها عن قتل القاشوش، فإن تلك الجريمة تسببت في حملات تأييد له ولطريقته الإنشادية، وظهر في كل أنحاء سوريا أشخاص من بين الناشطين في المظاهرات يؤدون نفس النمط الغنائي.

وقد أطلق الناس على كل من هؤلاء تسمية "القاشوش". وخلال فترة وجيزة ظهر في البلاد مئات "القواشيش" يتقدمون المظاهرات ويرددون أغاني وأناشيد وهتافات ضد النظام، بنسق لحني خاص يشبه ما ابتكره إبراهيم.

ويقول الناشط محمد وسام إن كل نقطة تظاهر في سوريا أصبح لها قاشوش أو أكثر، وبدأ هؤلاء يتميزون عن بعضهم بعضا وفق المناطق، فباتت الأناشيد تستلهم نمطيتها الغنائية من التراث اللحني للمنطقة، في حلب أو حماة أو دمشق أو إدلب وغيرها.

القاشوش يكثر وجوده بالمظاهرات التي تنظم داخل المناطق "المحررة" الآمنة

بيئة مناسبة
ويضيف وسام أن النصوص التي يؤديها "القاشوش" يكتبها الشباب المعارضون أو القاشوش نفسه، مشيرا إلى أن "القواشيش" لا يتلقون أجرا من أحد، بل هم مجرد ناشطين يؤدون دورا في قيادة المظاهرات.

وقال إن القاشوش يظهر في بيئة مناسبة أبرز ما يميزها أن يكون مكان التظاهر داخل المناطق "المحررة" ففي المناطق الأخرى تكون المظاهرات عادة سريعة التجمع والانفضاض تفاديا لوصول قوات الأمن، وبالتالي فلا يسمح الوقت أو الحالة الأمنية فيها بوجود قاشوش.

ولا يقتصر الأمر على عُمُر محدد، ففي حلب هناك قاشوش هو عبد الرحمن إبراهيم الذي حصل على شهرة واسعة رغم أن عمره لا يتجاوز 13 عاما. وهو يقول إنه يقوم بهذا الدور في مظاهرات بستان القصر بحلب منذ نحو عام.

ويضيف عبد الرحمن أنه يؤلف كلمات الأناشيد بنفسه بصحبة شقيقه الأكبر الناشط الذي يؤدي نفس الدور في المظاهرات. وقال إنه سعيد بقدرته على رفع حماسة المتظاهرين، وعلى استمرار التأكيد على أهداف الثورة.

لكن القاشوش الصغير -الذي يجيد أيضا قرع الطبل الذي يهيئ إيقاع الدبكة الشامية للمتظاهرين- يعود فيؤكد أنه رغم شغفه بدوره، فإنه يتمنى أن تنتهي الحرب ويتوقف القصف والقنص ليعود الناس إلى حياتهم الطبيعية، حيث يستطيع هو أن يواصل الإنشاد وربما الغناء.

المصدر : الجزيرة