عبد الرزاق مقري يتوسط الرئيس السابق ومنافسه على رئاسة حركة حمس (الجزيرة نت)

هشام موفق-الجزائر

أفرز المؤتمر الخامس لحركة مجتمع السلم (حمس)، المحسوبة على التيار الإخواني بالجزائر، قيادة جديدة للحزب، أجمعت الصحافة الجزائرية على إطلاق وصف "الراديكالية" عليها، مما أعطى مؤشرا على إعادة تشكيل الخارطة السياسية في البلاد.

وانتخب الدكتور عبد الرزاق مقري، نائب الرئيس السابق، على رأس الحركة خلفا لأبو جرة سلطاني، بمجموع 177 صوتا من أعضاء مجلس الشورى، في وقت حصل فيه منافسه عبد الرحمن سعيدي، وهو رئيس مجلس شورى الحزب السابق، على 65 صوتا فقط.

ولم يترشح الرئيس السابق (أبو جرة سلطاني) بعد المصادقة على القانون الأساسي، والذي ينص على "انتخاب رئيس لعهدة واحدة قابلة للتجديد مرة واحدة"، وهو الذي قاد الحركة منذ عام 2003.

وقال أبو جرة في كلمته للمؤتمرين "إني ألتمس منكم اليوم إكرامي بإعفاء كامل أجد فيه فرصة أكبر أتفرغ فيها لأخدم ما هو أوسع من الحركة". وفُهم من هذا الكلام أنه يريد الترشح للانتخابات الرئاسية العام المقبل.

جانب من المؤتمر الخامس لحركة حمس (الجزيرة نت)

انشقاقات
ومعلوم عن الدكتور عبد الرزاق مقري أنه مهندس "فك الارتباط" مع الحكومة العام الماضي، بعد مخاض داخل حمس بين الداعين للتحول إلى "المعارضة الإيجابية"، وبين من دافع عن ضرورة المحافظة على خيار المشاركة، كمشروع إستراتيجي للحزب.

وقرّر مجلس الشورى حينها سحب وزرائه من حكومة أحمد أويحيى السابقة، لكن الحركة شهدت هزات عنيفة منها خروج قياديين وانضمامهم إلى القيادي السابق عمار غول -وهو وزير الأشغال العمومية- الذي أسس حزب تجمع أمل الجزائر (تاج).

وذلك قبل أن يتأسس حزب آخر، هو حركة البناء الوطني، الذي يروج أعضاؤه بأنه ممثل الإخوان الوحيد الذي يحظى بدعم مكتب الإرشاد العالمي، خاصة بعد الخلاف الذي وقع عقب المؤتمر الرابع، والذي عرف تطورات أفضت في النهاية إلى خروج حزب من رحم الإخوان هو حزب التغيير، الذي تزعمه الوزير الأسبق عبد المجيد مناصرة، والذي يخوض الآن مفاوضات حول رجوعه لحركة مجتمع السلم.

كل هذه الانشقاقات ميزت مسيرة عشر سنوات هي فترة قيادة الوزير الأسبق أبو جرة سلطاني، والتي لم تمر "بردا وسلاما" عليه خلال هذا المؤتمر. إذ إنه بالرغم من المصادقة على التقرير الأدبي، إلا أن أصواتا من مندوبي الولايات طالبوا بـ"الحساب" والكشف عن التقرير المالي للحركة.

كما أن "التخبط" في الخطاب السياسي (كان الحزب يشارك في الحكومة وفي نفس الوقت ينتقدها كالمعارضة)، كان له الأثر السلبي على الوعاء الانتخابي لحركة حمس التي فقدت الكثير في الاستحقاقات الانتخابية بالرغم من تحالفها مع حزبيِِِْن إسلاميين ضمن التكتل الأخضر.

راديكالية
في ظل هذا الصراع بين أبناء الحزب الواحد، وهذا الموقف السياسي "المتذبذب"، بزغ نجم عبد الرزاق مقري كخيار "لرفع الحرج عن القيادة في خطابها المزدوج بين السلطة والمعارضة"، الذي تكرس خاصة في العهدة الثانية لأبو جرة.

وبخلاف ما كان سابقا، عرف النقاش وعلى مدار الأيام الثلاثة للمؤتمر تركيزا على فكرتين أساسيتين، هما: استمرار المشاركة في الحكومة وفي أجهزة الدولة المختلفة، أو تحوّل الحركة إلى قوة معارضة في البلاد، قبل أن يُحسم الصراع لصالح الأخير.

وبالرغم من رفض الرئيس الجديد لحمس التصريح لوسائل الإعلام، إلا أن مقربين منه كشفوا للجزيرة نت أن مقري وضع بين أيديهم خطة عشر سنوات، خمسُ سنواتها الأولى مكرسة فقط لترتيب بيت الحزب الداخلي.

ويرى الكاتب الصحفي عثمان لحياني أن مقري يمثل رجل المرحلة المنسجم مع مواقف الحركة بعد خروجها من الحكومة، وفي ظروف الربيع العربي. وأضاف للجزيرة نت أن مقري "رجل المرحلة بالنظر إلى مقاربته السياسية القائمة على مبدأ الفرز السياسي، هو يعتقد أن الحركة ليست في الحكم إذن عليها أن تكون في المعارضة".

لكن هذا التوجه طرح تساؤلات حول تماسك الحركة على المستوى القريب والمتوسط.

عثمان لحياني: انتخاب مقري سيحدث مزيدا من التقارب داخل حمس (الجزيرة نت)

وحذّر الكاتب والإعلامي نذير مصمودي من "انشطار" سيعرفه الحزب بعد فوز مقري برئاسة الحركة، وقال للجزيرة نت عبر الهاتف "فوز مقري برئاسة حمس معناه انشطار جديد للحركة". وتابع مصمودي -الذي عرف بانتقاداته الشديدة للإسلاميين، وهو منهم- "المختلفون مع الرجل في التوجه لا يستطيعون العمل معه لأن طبعه حاد".

وتوقع المتحدث أن تهجر قيادات وقواعد من حمس باتجاه حزب عمار غول بحكم أنه حامل لواء المشاركة السياسية، أو التوجه نحو إنشاء تشكيل سياسي جديد.

لكن الكاتب لحياني يختلف مع هذا الرأي، بل يعتقد أن انتخاب مقري "سيحدث مزيدا من التقارب والاحتواء، ليس للكوادر التي انشقت من الحزب في 2008 أو 2012 فقط، لكن حتى بالنسبة للكوادر التي انسحبت قبل ذلك والتي كانت ترفض خيار المشاركة الذي انتهجته الحركة لأكثر من عقد".

تداعيات
من جانب آخر، يرى الكاتب المتخصص في القضايا الإسلامية مراد أوعباس أن رئيس حمس الجديد قد يقود المعارضة السياسية داخل البلاد، لكن "شرط أن يكون له النفس الطويل".

وفي سؤال حول مدى إحياء فكرة المشروع الإسلامي الذي كان يتبناه مقري، وهو المعروف بعلاقاته المتشعبة في العالم العربي والإسلامي، قال أوعباس للجزيرة نت "إن المجتمع الجزائري لم يعد فيه للشعارات مكان، ومن الصعب إعادة ترميم هذا الفكر".

واستدل المتحدث بالنتائج "الهزيلة" للانتخابات التشريعية (مايو/آيار 2012) والمحلية (نوفمبر/تشرين الثاني 2012)، وأيضا "بالعناوين الاجتماعية للحركات الاحتجاجية الخالية من خلفيات أيديولوجية".

ووافقه في ذلك الكاتب مصمودي، وأرجع ذلك إلى "تدهور مصداقية حمس عند الناس".

المصدر : الجزيرة