يقطع الآلاف من سكان حلب المعبر يوميا رغم خطورته (الجزيرة نت)

لقاء مكي-حلب

يعيش أبو عبدو يومه وسط مخاطر وجد نفسه مرغما عليها، فالرجل الستيني الذي يعيل عائلة كبيرة يقطن في حي بستان القصر الذي يسيطر عليه الجيش الحر في مدينة حلب، لكن دكانه الصغير يقع في حي المشارقة المجاور الذي يخضع لسيطرة قوات النظام، وهكذا فليس أمام أبو عبدو يوميا غير خوض رحلة ذهاب وعودة محفوفة بالمخاطر وآلام انقسام مدينته ولو إلى حين.

قصة أبو عبدو تتكرر مع مئات الآلاف من الحلبيين الذين تنقسم مشاغلهم ومصالحهم بين عالمين فرضهما الأمر الواقع في القتال الدائر بين الجيش السوري الحر وقوات النظام، فكل منهما يسيطر على أجزاء من المدينة.

وعلى عكس الريف المترامي الأطراف الذي يقع في معظمه بيد الثوار، فإن الأحياء في المدينة الأكثر كثافة في السكان بعموم سوريا تتداخل بل وتتلاصق حتى تصبح مناطق الفصل بين القوتين المتحاربتين صغيرة ومتقاربة وحتى متداخلة أحيانا.

في ظل هذا الوضع لم يعد الحديث عن "مناطق محرمة" قابلا للتطبيق، ففي حلب تجد الناس يبيعون ويشترون ويمارسون حياتهم داخل هذه المناطق التي تقع تحت مرمى القنص، وحينما تسأل أحدهم عن ذلك يقول "العمر واحد والرب واحد.. خليها على الله، نحنا بدنا نعيش".

استمرار الحياة
والعيش هنا ليس هو بالضرورة نقيض الموت، بل هو حتمية استمرار الحياة في ظل وضع شاذ وقاس وخطير، ومن بين "ضرورات" الحياة هذه، كان لابد لأهل حلب من مواصلة التنقل بين أحياء قسمتها ظروف الحرب، فكثيرون يعيشون في منطقة يسيطر عليها أحد طرفي القتال بينما أعمالهم أو مؤسساتهم أو جامعاتهم في منطقة تحت سيطرة الطرف الآخر.

أبو عمار: الطريق ظل هدفا مستمرا
لقناصة النظام (الجزيرة نت)
والبعض وجد نفسه في جانب وأهله أو أقاربه أو مصالحه في جانب آخر، ولم يكن أمام الناس غير أن يفرضوا هم أيضا أمرا واقعا على المتحاربين، فأوجدوا معبرا للتواصل بين جانبي القتال قد يكون طريق مواصلة الحياة عند البعض رغم أن كثيرين يسمونه "طريق الموت".

لا يزيد طول هذا المعبر عن كيلومتر واحد، يسيطر الجيش الحر على جانبه من جهة حي بستان القصر بينما يسيطر الجيش النظامي على جانبه من جهة حي المشارقة، وفي وسط الطريق تجد متاريس وحافلات مقلوبة وضعت كمصدات للنيران.

وتنتصب على جانبي الطريق أبنية سكنية متلاصقة تنعدم الحياة في أحد جانبيها بسبب مقابلتها مباشرة لقناص من جيش النظام يرابط على قمة منارة شاهقة لمسجد في حي المشارقة، بينما تجد الحياة تضج في الجانب الآخر من "طريق الموت" هذا، حيث يعيش الناس وتتكاثر المحلات وتفتح مدارس ميدانية أقامها متطوعون.
 
يقول أبو عمار -وهو مقاتل في الجيش الحر- إن السيارات كانت تمر أيضا من هذا المعبر حتى منعتها قوت النظام قبل نحو أربعة أشهر، ويضيف أن القنص لا يتوقف، وهو يصيب المدنيين بشكل خاص، حيث يسقط كل يوم نحو ثمانية ضحايا بين قتيل وجريح بنيران قناصي جيش النظام، مشيرا إلى أن الأعداد تزيد أحيانا عن ذلك، "فيوم الخميس الماضي قتل ثلاثة أطفال من بين 18 شخصا أصيبوا بنيران القنص".
 
سيارات بسيطة لنقل المصابين (الجزيرة نت)
سوى الموت
واشار أبو عمار إلى سيارات صغيرة متهالكة تقف في مدخل طريق فرعي في "الجانب الآمن" من الطريق، قال إنها مخصصة لنقل المصابين إلى المستشفى، مضيفا أن القنص يأتي أيضا من منطقة الإذاعة التي تقع على مرتفع على الجانب الأيسر من الطريق.

وسوى المخاطر الحقيقية لتعرضهم لرصاص القنص، لا يواجه الكثيرون عنتا في الدخول والخروج بين المنطقتين، لكن الجميع يخضعون للتفتيش ليس بحثا عن السلاح فقط ولكن أيضا لمنع خروج البضائع التي يمكن أن تعين الطرف الآخر، لا سيما قوات النظام التي تخضع لحصار من جميع الأطراف تقريبا في حلب.

ويقول أبو عبدو إن جنود الجيش النظامي أو الحر باتوا يعرفونه فلا يسألونه عن هويته، لكنهم يفعلون ذلك مع آخرين لا سيما الشباب منهم، وهو ما جعل كثيرين من طلبة جامعة حلب يفضلون ترك الدراسة على تعرضهم للاعتقال، أما غالبية الحلبيين فلا يكاد مرورهم وسط "الأرض المحرمة" بالمفهوم العسكري ينقطع بحثا عن الحياة، حتى لو كان ذلك عبر المرور في "طريق الموت".

المصدر : الجزيرة