يمثل نهر النيل شريانا للحياة لمصر لاعتمادها عليه في الشرب والزراعة (الجزيرة-أرشيف)

أنس زكي-القاهرة

أثار إعلان إثيوبيا عن تحويل مجرى مياه النيل الأزرق استعدادا لإنشاء "سد النهضة" أجواء من القلق في مصر بشأن مدى تأثير هذا المشروع على حصة مصر من مياه النيل الذي يمثل لها شريانا للحياة، بالنظر إلى الاعتماد عليه بشكل شبه كامل سواء فيما يتعلق بالشرب أو الزراعة.

ومنذ سنوات وإثيوبيا تتحدث عن استعداداها لإنشاء سد على النيل الأزرق الذي يعد أحد أبرز روافد نهر النيل، لكن المثير أنها أقدمت على خطوة تحويل المجرى بعد ساعات من مغادرة الرئيس المصري محمد مرسي أديس أبابا عقب حضوره اجتماعات قمة الاتحاد الأفريقي ولقائه مع رئيس الوزراء الإثيوبي هيلي ماريام الذي قال إن بلاده حريصة على تحقيق المنفعة لمصر والسودان دولتي المصب لنهر النيل.

وقد حرص السياسيون المصريون على التخفيف من وطأة الخطوة الإثيوبية، وقال وزير الري الدكتور محمد بهاء الدين في تصريحات للصحفيين إن ما أعلنت عنه إثيوبيا هو إجراء هندسي يهدف لإعداد الموقع لبدء إنشاء السد، لكنه لا يعني منع جريان المياه.

وأضاف الوزير أن مصر ما زالت على موقفها من عدم معارضة أي مشروع تنموي في أي من دول حوض النيل بشرط عدم الإضرار بدولتي المصب وحماية حقوقهما المائية، مشيرا إلى أن مصر تنتظر موقف اللجنة الثلاثية التي تبحث الأمر حاليا وتتكون من ممثلين لكل من مصر والسودان وإثيوبيا إضافة إلى خبراء دوليين.

وزير الري محمد بهاء الدين: ما أعلنت عنه إثيوبيا هو إجراء هندسي يهدف لإعداد الموقع لبدء إنشاء السد لكنه لا يعني منع جريان المياه

مراوغة إثيوبية
وقد أبرز الإعلام المحلي تصريحات للسفير المصري لدى إثيوبيا حاول فيها الفصل بين إعلان إثيوبيا تحويل مجرى النهر وزيارة الرئيس مرسي، مؤكدا أن الخطوة الإثيوبية مقررة منذ عدة أشهر وتم تأجيلها لأسباب فنية تتعلق بالإنشاءات.

لكن هذا لم يكن مقنعا للبعض ومنهم الخبير بالشؤون الأفريقية وحوض النيل الدكتور هاني رسلان الذي اعتبر أن إثيوبيا عادت مجددا لتتعامل مع مصر بشكل مراوغ، وهو ما تجلى في تصريحاتها الإيجابية عن احترام حصة مصر والسودان في نهر النيل ثم الإعلان المفاجئ عن تحويل مجرى النيل الأزرق، في تأكيد على مضيها في مخططاتها التي ستلحق أضرارا جسيمة بالأمن المائي المصري، على حد قوله.

وسار وزير الري المصري السابق الدكتور محمد نصر الدين علام في الاتجاه نفسه، واعتبر أن تصريحات إثيوبيا باحترام حصة مصر المائية ليست "صادقة"، لأن كل المواقف السابقة تؤكد أن إثيوبيا لا تعترف أصلا بحقوق مصر، ويدلل على ذلك اتفاقية "عنتيبي" التي ترفض مصر والسودان التوقيع عليها، كما أن سد النهضة ما هو إلا بداية لأربعة سدود تعتزم إثيوبيا إنشاءها على النيل الأزرق.

من جهته اعتبر الخبير بالشؤون الأفريقية عطية عيسوي، في حديثه مع الجزيرة نت، أن الخلاف بين مصر وإثيوبيا ليس سياسيا وإنما ينبع من اختلاف رؤية البلدين لاتفاقيات توزيع مياه النيل الموروثة عن الحقبة الاستعمارية، حيث تتمسك بها مصر ومعها السودان.

عطية عيسوي: الخلاف بين مصر وإثيوبيا ليس سياسيا (الجزيرة)

غير عادل
وبيّن أن إثيوبيا تعتبر أنه ليس من العدل أن يحصل النيل على 85% من مياهه من أرضها، ثم تذهب معظم الاستفادة إلى دول أخرى وبالتحديد دولتا المصب.

ورفض عيسوي التعويل على التقرير المنتظر من اللجنة الثلاثية لحل الأزمة، وقال إنه لن يكون ملزما لإثيوبيا، لكنه يبقى تقريرا مهما لأنه سيكشف حجم الأضرار التي يمكن أن تقع على مصر والسودان بل وإثيوبيا نفسها جراء إقامة سد النهضة.

وتشير الدراسات إلى تزايد احتمالات انهيار السد بسبب طبيعة الأرض والانحدار الشديد، وهو الأمر الذي يمكن أن يتسبب في إغراق مساحات كبيرة من الأراضي الإثيوبية وأيضا العاصمة السودانية الخرطوم ومساحات من شمال السودان.

وعن آفاق التحرك المصري في مواجهة سد النهضة، قال عيسوي إن القاهرة لا تمتلك سوى الحل التفاوضي من أجل تقليل الأضرار المترتبة على هذا السد أو أي سدود أخرى، خاصة أن الحلول الأخرى ليست مضمونة ومنها اللجوء إلى محكمة العدل الدولية التي قد لا تعترف بالاتفاقيات الموروثة عن الحقبة الاستعمارية في قضايا المياه بعكس ما تفعل في قضايا الحدود.

إلا أن عيسوي يؤكد أن حل مشكلات النيل بأسرها يبقى أمرا ممكنا عبر مشروعات حقيقية للتنمية في مختلف دول حوض النيل، ويشير إلى أن المشكلة الكبرى تكمن في إهدار النسبة العظمى من المياه بسبب المستنقعات والبخر والفوالق الجبلية، ولا تبقى إلا نسبة 4% تستفيد منها كل دول الحوض في حين أن دول حوض الأمازون على سبيل المثال تستفيد بـ20% من مياه ذلك النهر.

المصدر : الجزيرة