لوحات فسيفسائية تاريخية من عصور مختلفة داخل متحف معرة النعمان بسوريا (الجزيرة)
يتشكل المجتمع السوري من عدة طوائف عاشت على مدار القرون الماضية حالة من الود والوئام، وتنتمي هذه المجموعات إلى ديانات وعرقيات مختلفة، ساهم كل منها في بناء حضارة بلاد الشام. 

السُّنة
دخل الإسلام سوريا عام 636 في عهد عمر بن الخطاب، على يد خالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح، سِلمًا دون قتال، وقد كان ذلك بسبب مظالم الدولة البيزنطية، ورغبة أهل الشام بالتخلص منها. انتشر الإسلام في العهد الراشدي في المدن الكبرى، فيما بقيت الأرياف والقبائل الكبرى مسيحية حتى القرن العاشر.

وفي العهد الأموي أصبحت دمشق عاصمة الدولة الأموية مما أدى إلى ازدهارها اقتصاديا وعمرانيا، حيث شهدت تعمير الكثير من المساجد وسكنها عدد كبير من الصحابة والتابعين، إلا أن الخلافات القبلية التي كانت تثار بين القيسية واليمانية في حمص ودمشق أضعفت الدولة وساعدت على تأسيس الدولة العباسية التي نقلت العاصمة لبغداد.

وفي العصر العباسي أخذت الطوائف الأخرى (العلوية، الدروز، الإسماعيليون) تظهر وتتمركز في سوريا حتى عصر المماليك الذين اهتموا بدمشق وحدها دون سوريا، مما أدى لتناقص عدد سكانها إلى الثلث.

وبعد انتصارهم في معركة مرج دابق، دخل العثمانيون سوريا من حلب، وظلت تحت سيطرتهم لأربعة قرون حتى الثورة العربية الكبرى عام 1918، وشهدت البلاد خلالها بعض المظاهر العمرانية والتطور الفكري من خلال المسجد أولا، ثم من خلال البعثات والمدارس الأجنبية التي ولدت تيارا فكريا من المجددين أمثال زكي الأرسوزي وعبد الرحمن الكواكبي.

يشكل السنة أكبر الطوائف في سوريا، والمذهب السائد هو المذهب الشافعي، ويلحظ انتشار واضح للصوفية في أنحاء سوريا.

العلويون
يعود تشكل المذهب العلوي إلى محمد بن نصير البصري في القرن الثالث للهجرة، واستمر المذهب من بعده في كنف الدولة الحمدانية، حتى تم إنشاء مركزين للطائفة أحدهما في حلب، والآخر في بغداد.

انقرض مركز بغداد بعد حملة هولاكو عليه، وانتقل مركز حلب إلى اللاذقية. وبقي العلويون هناك ضمن الدول الإسلامية المتعاقبة محل صراع ومعارك حتى تقسيم سوريا وتشكل الدولة العلوية عام 1920 حتى 1936، ثم عودتهم مرة أخرى على يد حافظ الأسد وابنه اللذين أسسا لنظام مركب طائفي وأمني.

الشيعة
تعود جذور التشيع في سوريا إلى القرن الأول الهجري منذ الفتنة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، ولكنه أخذ في الانتشار في القرن الرابع الهجري مع ظهور الدولة الحمدانية في حلب، ومن ثم الدولة الفاطمية التي حاولت نشر التشيع في سوريا خصوصا في دمشق، ضمن نجاح محدود في هذا السياق؛ ثم عادت للانحسار مع بداية الدولة الأيوبية التي حاربت التشيع، وكذلك أيام الدولة العثمانية، إلى أن أصبح الشيعة يمثلون أقلية صغيرة محدودة في بعض المناطق.

يذكر أن العلاقات الاقتصادية السياسية بين سوريا وإيران في عهد بشار الأسد انعكست كسياسة تشييع ممنهجة في كثير من المناطق خصوصا في الأرياف، مستغلة حاجتها الاقتصادية، وظهرت مراكز أكثر وضوحا للشيعة السوريين والإيرانيين في بعض مناطق دمشق.

الإسماعيليون
قاد أئمة الإسماعيليين سرا من سلمية في القرن التاسع أنشطة الأتباع في المناطق الأخرى، وحتى مع وصول الفاطميين للحكم في مصر ظلت سوريا مركز نشاط مهم لهم، حتى استلام السلاجقة الحكم واضطراب سوريا وتقسيمها سياسيا، حيث انتقلوا حينها إلى حلب، ومن ثم أجبروا على الخروج منها إلى دمشق، قبل أن يُجبروا على الخروج منها كذلك، مما اضطرهم إلى تأمين حياتهم في شبكة من المعاقل الآمنة والقلاع في مثلث ريف حمص وريف حماة والساحل، وهي المنطقة التي يوجدون فيها الآن، حيث أصبحت القدموس ومصياف مراكزهم المهمة في تلك الفترة.

ساد بعض التوتر بين الأيوبيين والإسماعيليين، لكنه انتهى من خلال صلح بين صلاح الدين الأيوبي وسنان بن سلمان، للتعايش. وبعد هجمات المغول على إيران وبعدها على سوريا التجأ الإسماعيليون للظاهر بيبرس الذي أصبحوا مخلصين تابعين له، ومن بعده للدولة العثمانية وحتى اليوم.

ويمتاز الإسماعيليون بنشاط فكري وعلمي مميز، امتدادا لاهتمام الفاطميين بالمكتبات والجامعات، كما يملكون قدرة إدارية عالية لمناطق نفوذهم التي يسيطرون عليها من خلال القلاع الموجودة في الجبال، والتي يصل عددها في سوريا إلى ستين قلعة تقريبا.

اليهود
يرجع وجود اليهود في سوريا إلى العصور القديمة، إذ تذكر بعض الروايات التوراتية وجود اليهود منذ عهد النبي داود عليه السلام، ثم ازداد عددهم في القرن السادس عشر نتيجة طردهم من الأندلس من قبل النصارى. أكبر التجمعات التاريخية لليهود هي دمشق وحلب والقامشلي، وبشكل أصغر في نصيبين واللاذقية.

ومنذ الفتح الإسلامي وحتى العهد العثماني لم يتأثر وجود اليهود في سوريا، حيث ظلت لهم أحياؤهم ومناطقهم وكنائسهم، فقد كان لهم حي في دمشق، ومنطقة قرب القلعة في حلب، وكثر وجودهم في جوبر في ريف دمشق.

وقد بقي الوضع هكذا حتى النكبة، إذ تصاعدت العدائية ضدهم مما أدى لهجرة عدد كبير منهم إلى فلسطين، وبعد النكسة صدرت ضدهم عدد من القوانين التقييدية التي تمنعهم من السفر والوظائف العامة وغيرها، مما أدى لتزايد هجرتهم بشكل غير شرعي حتى عام 1992، إذ رفع حظر السفر عنهم فهاجرت الغالبية الساحقة منهم، خصوصا مع العروض المقدمة من الولايات المتحدة، ولم يبق منهم الآن سوى بضع مئات في دمشق وحلب والقامشلي.

الدروز
تعرض الدروز في القرن التاسع الهجري لما يسمى بالمحنة من قبل الدولة الفاطمية، وخصوصا في حلب وأنطاكية، مما حدا بهم للتحرك نحو جبل العرب في الجولان الذي صار من وقتها معقلا تاريخيا لهم منذ تلك الفترة حتى اليوم.

أثناء الاحتلال الفرنسي لسوريا اندلعت الثورة العربية الكبرى من جبل العرب بقيادة سلطان باشا الأطرش، ويشكل الدروز نسبة كبيرة من سكان الجولان المحتل من قبل إسرائيل اليوم، إضافة للسويداء الواقعين جنوب سوريا.

اليزيديون
ويعود أصل ديانتهم ومكان وجودهم هناك إلى العصور القديمة، كغالب ديانات ما بين النهرين المرتبطة بالطبيعة كخدمة للإنسان أو هلاك له.

يوجد اليزيديون في الحسكة وعفرين، ويتحدثون اللغة الكردية بشكل رئيسي مع عادات وتقاليد وأزياء عربية، ومجتمعهم مغلق، فإنهم لا يتزوجون من القوميات أو الأديان الأخرى.

المسيحيون
كان سكان سوريا من أوائل الشعوب التي اعتنقت المسيحية، حيث اعتنق الآراميون وبعض القبائل العربية المقيمة في سوريا المسيحية. وتعد سوريا مركزا مهما للديانة المسيحية، إذ يوجد على امتدادها العشرات من الأديرة والكنائس والمراكز المقدسة في التاريخ المسيحي.

ترتفع نسبة المسيحيين في دمشق وحمص واللاذقية والجزيرة الفراتية، وقد ازداد عددهم من خلال هجرتين: هجرة الأرمن وهجرة الأشوريين، إلا أن عددهم عاد للتناقص منذ منتصف القرن العشرين بسبب الظروف المحلية والإقليمية.

لعب كثير من مسيحيي البلاد دورا فكريا وثقافيا وسياسيا مهما، وساعد في ذلك الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمسيحيين، إذ يوجد أغلبهم في المدن، وينتمي أغلبهم لطبقات اقتصادية عليا.

العرب
وهم أكبر مكونات الشعب السوري، ويشكلون أكثر من 80% من مجموع السكان، ويرجع تاريخهم إلى ما قبل الإسلام على شكل قبائل، ومع الوقت ازدادت الزيجات المختلطة في سوريا، فاختلط الشعب ببعضه بعضا ولم يعد هناك خط فصل واضح بين العرب القديمين والمستجدين، وصار الجميع عربا بلا تمييز.

العربية هي اللغة الرسمية للدولة، ويتحدث بها السوريون باللهجة السورية التي تداخلها بعض المفردات غير العربية، وقد خرج من سوريا الكثير من الأدباء والشعراء واللغويين العرب، وتأسس في دمشق أول مجمع للغة العربية في العالم.

الأكراد
بدأ تواجد الأكراد في سوريا منذ عام 1952 بسبب الاشتباكات بين الجماعات الكردية والجيش التركي. ويعيش معظمهم في الحسكة ومنطقتين صغيرتين شمال حلب، وكثير منهم يعيش في المدن الكبرى.

وغالبية الأكراد من السُّنّة، وفيهم أعداد قليلة من المسيحيين واليزيديين.

في عام 1962 تم تجريد أكثر من 20% من الأكراد من جنسيتهم، كما منعتهم الدولة من استخدام اللغة الكردية في مدارسهم أو في الصحف والكتب، وعلى الرغم من ذلك فهي تسمح لهم بإنشاء الأحزاب السياسية الموجودة بكثرة ضمن مناطقهم.

التركمان
ويرجع أصلهم إلى العائلات التركية الممتدة من الذين أتوا سوريا مع السلاجقة ومن ثم المماليك والعثمانيين، ثم اندمجوا مع الشعب السوري. كما ترجع أصول بعضهم إلى قبائل تركية أسكنها العثمانيون في الريف للتخفيف من وجود العشائر التي تعتمد على الرعي.

يتواجد التركمان في غالب المدن السورية مندمجين مع المجتمع، مع وجود القليل من القرى التركمانية في اللاذقية وحلب، وهي قرى لا زالت تتحدث بالتركمانية.

الشركس
هاجر الشركس من بلادهم في القوقاز قسريا في نهاية القرن السابع عشر إلى أنحاء الإمبراطورية العثمانية، وذلك بسبب التهديدات الروسية بالقتل أو النقل أو التوطين في معسكرات جماعية، وتحت طائلة التنصير القسري.

إلا أن عددا منهم كان موجودا في سوريا قبل ذلك مع دولة المماليك كجنود وقادة جيوش. وقد استقر معظمهم في هضبة الجولان، ولهم عدة قرى حول المدن الرئيسية، وبعض الأحياء الرئيسية في المدن كحي المهاجرين في دمشق وحي الشراكس في جبلة.

يحافظ الشركس بصورة جيدة على لغتهم وتقاليدهم الشركسية.

الأرمن
بسبب الحروب والاضطرابات التي عانى منها الأرمن، هاجر كثير منهم إلى سوريا، واستقروا هناك، ويعيش معظمهم في حلب وبلدة كسب في اللاذقية.

تلعب الكنيسة دورا مهما في توحيد الأرمن، إذ إن الغالبية العظمى من الأرمن هم من الديانة المسيحية، خصوصا أن حلب كانت مركزا مهما للحجاج الأرمن الذاهبين للقدس.

الآشوريون
الآشوريون أو السريان أو الكلدان، ينحدرون عرقيا من حضارات قديمة في الشرق الأوسط، أهمها الآشورية والآرامية، وهم من أول المعتنقين للديانة المسيحية ابتداء من القرن الأول الميلادي، ويتميزون بلغتهم السريانية وهي إحدى لهجات اللغة الآرامية.

يوجد الآشوريون في القامشلي بشكل ملحوظ، ويشكلون حوالي ثلث مسيحيي سوريا، وقد ازداد عددهم بعد هجرة الآشوريين من العراق بعد حرب 2003.

المصدر : الجزيرة