المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي يعتبر قمة هرم السلطة في إيران (الفرنسية)
يتميز النظام السياسي الإيراني عن سائر النظم السياسية العالمية بميزة دستورية فريدة، وهي وجود مؤسسة اسمها "الولي الفقيه" أو "المرشد الأعلى" تتربع على قمة هرم السلطة، ويخولها الدستور الإيراني صلاحيات واسعة.

من هو الولي الفقيه؟
"الولي الفقيه" أو "المرشد الأعلى" لفظان مترادفان مرتبطان بالنظرية السياسية الدينية التي أتى بها الإمام الخميني، وهي "ولاية الفقيه". وقد نشأت نظرية "ولاية الفقيه" على يد الشيخ أحمد النراقي، مؤلف كتاب "عوائد الأيام" في أصول الفقه والمتوفى عام 1829، وطبقها الإمام الخميني لأول مرة عام 1979.

آية الله الخميني
وقد شكلت النظرية تطورا كبيرا في نظام المرجعية الدينية الذي نشأ عند الشيعة الإمامية في عصر ما يسمونه غيبة الإمام الثاني عشر وطيلة مقاطعتهم للأنظمة السياسية الإسلامية المختلفة. وتقوم النظرية على النيابة العامة للفقهاء عن المهدي المنتظر الذي -إن عاد حسب الشيعة- سيملأ الأرض عدلا بعدما ملئت جورا.

وبموجب ولاية الفقيه صارت المرجعية الدينية مصدر الإفتاء والأحكام، وتطورت من مهمة الإرشاد الروحي إلى شكلها المعاصر المتمثل في المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الذي يهيمن بسلطاته الجمة على مؤسسات الدولة الإيرانية كلها.

سلطات المرشد
نصت المادة الخامسة من الدستور الإيراني على أن ولاية الأمة في "ظل استتار الإمام" تؤول إلى أعدل وأعلم وأتقى رجل في الأمة، ليدير شؤون البلاد وفق ما جاء في المادة (107) من الدستور، ونصت المادة نفسها على تساوي المرشد مع عامة الشعب أمام القانون.

ومؤهلات المرشد هي: العلم والعدالة والمروءة والفقه الواسع بظروف العصر، والشجاعة والفطنة والذكاء والقدرة على إدارة الأمور.

ويفوض الدستور المرشد الأعلى الاضطلاع بمسؤولية القائد العام للقوات المسلحةن وإعلان الحرب، وتعيين وعزل الأفراد التاليين:

- نصف أعضاء مجلس صيانة الدستور البالغ عدد أعضائه 12 عضوا.

- رئيس السلطة القضائية.

- رئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون.

- القائد الأعلى لقوات الحرس الثوري.

- القيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن.

ورغم هذه الصلاحيات الجمة، فإن الإمام الخميني -أول مرشد أعلى في الجمهورية الإسلامية الإيرانية- لم يكتف بها، بل فرض هيمنته على مجلس الشورى وعلى رئاسة الجمهورية، فأقال أبو الحسن بني صدر رئيس الجمهورية الأول عام 1981 عندما تمرد على تعليماته، ووجه رسالة شديدة اللهجة إلى الرئيس على خامنئي عام 1988 عندما اعترض على بعض ممارساته حين أجاز قانون العمل بعد أن عارضه مجلس صيانة الدستور.

واعتبر الخميني في تلك الرسالة ولاية الفقيه كولاية الرسول صلى الله عليه وسلم، فالولي الفقيه -بالنسبة للخميني- معين من قبل الإمام المهدي الغائب، ولذلك لا يجوز الاعتراض على قراراته بناء على الحديث المنسوب إلى المهدي الذي يقول "إن الراد على الفقهاء كالراد علينا وكالراد على الله".

للمرشد الأعلى أكثر من 2000 ممثل أغلبهم برتبة حجة الإسلام، ينتشرون في كل الوزارات، وفي مؤسسات الدولة، وفي المراكز الثقافية داخل إيران وخارجها

الانتخاب والهيئات
يتم انتخاب المرشد الأعلى من قبل مجلس الخبراء (المنتخب من قبل الشعب)، وكان الخميني أول من أنيطت به ولاية الفقيه إلى أن توفي عام 1989 فتولى المرشد الحالي علي خامنئي هذا المنصب.

وكان من المفترض أن يكون آية الله العظمى حسين علي منتظري خليفة الخميني، إلا أن انتقاداته للإعدامات التي قامت بها الحكومة الإيرانية 1988 و1989 جعلت الخميني يدفعه إلى الاستقالة في مارس/آذار 1989.

وينسق "مكتب المرشد الأعلى" نشاط الولي الفقيه وظهوره أمام الناس، وهو مكون من أربعة أعضاء يشترط أن يكون كل منهم "حجة الإسلام" أو "آية الله".

وللمرشد الأعلى أكثر من 2000 ممثل أغلبهم برتبة حجة الإسلام، ينتشرون في كل الوزارات وفي مؤسسات الدولة وفي المراكز الثقافية داخل إيران وخارجها وفي محافظات إيران الثماني والعشرين.

عزل المرشد
يمكن لمجلس الخبراء -نظريا- أن يعزل المرشد في حالتين هما:

- عجز المرشد عن أداء واجباته الدستورية.
- فقدانه صفة من صفات الأهلية التي نصت عليها المادتان (5) و(109) من الدستور، أو إذا تبين أنه لا يملك تلك الصفة من الأساس.

صراع المحافظين والإصلاحيين
منذ فوز الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي بانتخابات رئاسة الجمهورية عام 1997 تغيرت صورة المشهد السياسي، فظهر معسكران محافظ وإصلاحي.

ويساند المرشد على خامنئي -بصلاحياته الدستورية الواسعة- المعسكر المحافظ، مما كرس الأزمة السياسية بين قطبي المشهد السياسي (الإصلاحيون والمحافظون) خلال السنوات الماضية.

ومع أن الإصلاحيين يؤمنون بالإطار النظري لدستور الجمهورية الإسلامية، الذي يعتبر أن الالتزام العملي بمقولة ولاية الفقيه، كما وصفها الإمام الخميني هو معيار أي عمل سياسي، فإن قطاعات واسعة -مثقفين، طلاب، نساء- محسوبة على الإصلاحيين طالبت بمنح مزيد من الصلاحيات الدستورية لمنصب رئاسة الجمهورية، حتى تخف قبضة الولي الفقيه على مقاليد الحكم.

فالإصلاحيون يرون أن سلطات الولي الفقيه تتجاوز كثيرا تلك السلطات التي كان دستور 1906 يمنحها لشاه إيران، وهم في مطالبتهم بإعادة النظر في ولاية الفقيه يسعون -حسب المراقبين- إلى مراجعة أسس الحكومة في إيران، هل تقوم على أساس تفويض من الشعب الإيراني للحكم باسمه أم على تفويض إلهي باسم الإمام الغائب.

ويبدو أن هذا الإشكال سيظل محوريا بالنسبة للنظام السياسي في إيران إلى أن يحدث توازن بين منصب رئيس الجمهورية ومنصب الولي الفقيه.

بينما يتولى الولي الفقيه منصبه مدى الحياة وينتخبه مجلس الخبراء، ويتمتع بسلطات مطلقة، يُنتخب رئيس الجمهورية -الذي له سلطات تنفيذية مقيدة- من الشعب مباشرة لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة

المرشد والرئيس
يذهب بعض المتابعين للشأن الإيراني إلى وصف الجهاز التنفيذي الإيراني بكونه حكومة "ذات رأسين" (الولي الفقيه ورئيس الجمهورية) لكن تجب الإشارة إلى أن هنالك فروقا بين المؤسستين.

فبينما يتولى الولي الفقيه منصبه مدى الحياة، وينتخبه مجلس الخبراء بالإضافة إلى تمتعه بسلطات مطلقة متفوقا على جميع السلط الأخرى، يُنتخب رئيس الجمهورية الذي له سلطات تنفيذية مقيدة، من الشعب مباشرة لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.

في أقوى اختبار للعلاقة بين الرجلين، شهدت إيران احتجاجات طلابية غير مسبوقة أعقبت الانتخابات الرئاسية التي أسفرت عن فوز محمود أحمدي نجاد بولاية ثانية يوم 12 يونيو/حزيران 2009 أمام منافسه الإصلاحي مير حسين موسوي وسط اتهامات بالتزوير.

ودفعت الانتخابات التي جرت في الـ12 يونيو/ حزيران البلاد نحو أزمة داخلية هي الأكبر منذ الثورة الإسلامية عام 1979، حيث كشفت عن انقسامات كبيرة بين النخبة الحاكمة، وقد أيد  المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية -وبقوة- انتخاب نجاد لولاية جديدة.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2012، تراجع البرلمان الإيراني عن استجواب الرئيس الإيراني بشأن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، بعد أن تدخل خامنئي لصالح نجاد، الذي قال "إن البرلمان يجب ألا يعمل لمصالح أعداء إيران".

مع ذلك، لم تكن العلاقات بين خامنئي ونجاد -وتحديدا خلال العهدة الثانية من رئاسته للبلاد- في أحسن أحوالها. فقد طفت على السطح بين الحين والآخر خلافات حول مجموعة من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين نجاد ورموز التيار المحافظ، ونتج عن ذلك أن وُصف نجاد وأتباعه بأنهم "التيار المنحرف" خاصة في ظل أزمات من بينها انهيار العملة المحلية الريال الإيراني.

وفي تدخل يعكس سمو سلطة خامنئي على جميع السلطات والحكم بينها، انتقد المرشد الأعلى في 16 فبراير/شباط 2013، بخطاب بثه التلفزيون الإيراني كلا من أحمدي نجاد ورئيس البرلمان علي لاريجاني، ودعاهما إلى "الهدوء" بعدما تبادلا علنا اتهامات غير مسبوقة بالفساد خلال جلسة برلمانية سابقة انتهت بإقالة وزير العمل، تبعها تقديم نواب البرلمان رسالة اعتذار للمرشد، واعتبروا الامتثال له "واجبا شرعيا ودينيا".

وقبيل انتخابات 2013 وضبطا للمشهد السياسي القادم، أكد أمين مجلس صيانة الدستور الإيراني أحمد جنتي على ضرورة أن يكون مرشحو الرئاسة سياسيين أتقياء ومطيعين للولي الفقيه.

وتابع جنتي أن على جميع المرشحين للانتخابات والرئيس المقبل للبلاد، أن يطيعوا الولي الفقيه، ورأى أن من لا يقبل بولاية الفقيه فهو لا يمتلك إيمانا وتقوى.

أمين مجلس صيانة الدستور الإيران -وتفاديا لجميع الإشكالات التي قد تحصل بين أعلى سلطتين بإيران- أضاف أن على رئيس الجمهورية أن يدرك أن للدولة قائدا -في إشارة إلى المرشد الأعلى للجمهورية على خامنئي- وأن حكمه واجب التنفيذ، مضيفا أن الرئيس يستمد شرعيته من القائد.

المصدر : الجزيرة