العميد الركن زاهر الساكت: النظام استخدم الأسلحة الكيمياوية في حلب وريف دمشق ودرعا (الجزيرة)

الجزيرة نت-عمّان

قال رئيس فرع الكيمياء السابق في الفرقة الخامسة بالجيش السوري العميد الركن زاهر الساكت إن نظام الرئيس السوري بشار الأسد استخدم السلاح الكيمياوي في مناطق في حلب وريف دمشق ودرعا.

وكشف الساكت -في مقابلة مع الجزيرة والجزيرة نت- عن أنه يملك أدلة منها مادة تسلمها من أحد مراكز الجيش السوري بهدف استخدامها في درعا، إلا أنه قام بدفنها في منطقة تعهد بإرشاد لجان التحقيق الدولية عليها إن رغبت.

وأوضح أنه استبدل المادة الكيميائية بمواد أخرى غير خطيرة تم استخدامها في مناطق بدرعا.

وفيما يلي النص الكامل للمقابلة.

 بداية لو تعرفنا بطبيعة عملك؟

- في البداية أترحم على كافة الشهداء، وأتمنى الشفاء العاجل للجرحى والحرية للمعتقلين. أنا العميد الركن المجاز زاهر عبد الرحمن الساكت رئيس فرع الكيمياء في الفرقة الخامسة، وأنا من حلب من باب الحديد.

  ما طبيعة السلاح الذي كنت مسؤولا عنه؟

- السلاح الكيميائي في الفرق البرية، ويمكن أن نقول إن هذه المسؤولية عبارة عن تدريب وقائي من المواد السامة والإشعاع النووي والوسائط الجرثومية. وعند كافة رؤساء الأفرع الكيميائية توجد مستودعات كيميائية، كما توجد المواد السامة مثل (الأكروبلكرين) و(كلو الأسيتوفينون)، وهذه المادة تستخدم عند فض المظاهرات في كافة دول العالم، والحقيقة أن النظام قام باستخدام المواد السامة المزعجة لتفريق مظاهرات.

   هل هذا يشبه الغاز المدمع المستخدم في تفريق المظاهرات في دول العالم؟

- لا، ففي دول العالم يستخدم الغاز المسيل للدموع بداية في تفريق المظاهرات، لكن النظام انتقل في مرحلة ثانية لاستخدام المواد السامة، وهي موجودة في مستودعات خاصة تابعة لإدارة الحرب الكيميائية، وهذه يمكن أن تصيب بالموت إن دخلت في تراكيز سمية كثيرة، وإذا لم تدخل فيها التراكيز العالية فيمكن أن تصيب الشخص أو الفرد، ويجب خروجه من الساحة وأوج المعركة إلى الاستشفاء خلال عشرة إلى 15 يوم.

الحقيقة أن النظام استخدم المواد السمية المخرجة من القتال في منطقتين أساسيتين، وهما: منطقة خان العسل والشيخ مقصود.

 متى استخدم هذا السلاح لأول مرة في الثورة السورية؟

- استخدم أول مرة في منطقة خان العسل والشيخ مقصود منذ شهر ونصف أو أقل. كما قلت قرأ هذا النظام العالم والمجتمع الدولي وتناقضاته وتنازعاته جيدا، وعلم أن العالم غير مكترث لدماء الشعب السوري فانتقل لاستخدام المواد السامة المميتة وغاز الأعصاب من نوع غاز الخردل.

يذكرني هذا الشيء بشيء أساسي، بأن النظام كما انتقل في بداية المظاهرات إلى استخدام العنف  تدريجيا بالأسلحة الخفيفة ثم المتوسطة فالثقيلة باستخدام الدبابات والعربات بي أم بي وراجمات الصواريخ، وعندما رأى صمت العالم انتقل لاستخدام الطيران والآن الصواريخ البالستية؛ وكذلك هو الحال بالنسبة للأسلحة الكيميائية، انتقل من استخدام المزعجة إلى المخرجة من القتال إلى المميتة.

عندما قال الرئيس باراك أوباما إن السلاح الكيمياوي خط أحمر، فنحن لا نعرف ما الخط الأحمر، هل إذا كانت الكمية محدودة وهل الكمية التي استخدمت في الشيخ مقصود وفي داريا أو دير بعلبة أو سراقب تعتبر كثيرة.

   نريد أن نعرف ما طبيعة السلاح الكيمياوي في سوريا؟ هل جميع الفرق فيها أسلحة كيمياوية؟ وكيف يتم تجميعها واستخدامها؟ ومن يصدر الأمر بالاستخدام؟ وما تركيبة المنظومة؟

- نحن عندنا المواد السامة المزعجة موجودة في المستودعات لدى الفرق، وموجودة عند أي رئيس فرع، أنا كرئيس فرع لدي مواد سامة مزعجة، إلا أن لدى فرق الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة مواد سامة مخرجة من القتال وهي أعلى مستوى.

  من يقرر استخدام المواد السامة المزعجة؟

- مكتب إدارة الأزمات يضم مدير الأمن القومي ومدراء شعب المخابرات العسكرية والجوية ووزير الداخلية ووزير الدفاع ورئيس أركان الجيش، ويرفع المقترحات للقائد العام للقوات المسلحة لاستخدام هذه الأسلحة. وأنا عندما طلب مني استخدام هذه الأسلحة جاء الأمر من القائد العام للجيش والقوات المسلحة.

  من الذي أصدر الأمر لك باستخدام هذه الأسلحة؟

- طلب مني في ثلاثة مواقع، في منطقة الشيخ مسكين والحراك وبصر الحرير في أثناء عملية ما سمي بعامود حوران، وكان الطلب من اللواء علي حسن عمار الذي اتصل بقائد الفيلق وطلب استخدام مواد سامة مخرجة من القتال، وهذه عادة ما يكون لها تراكيز سمية كثيرة العضوية تؤدي إلى الوفاة.

وقد طلب مني قائد الفرقة بناء على أمر لاستلام هذه المواد بالاتصال مع اللواء طالب سلامة مدير إدارة الحرب الكيميائية للاستفسار عن موضوع كيفية الاستخدام وأين ومتى، حيث استلمت خمس لترات من المادة السامة نوع (الفوز جين).

  أين استلمتها؟

- لا يمكن أن أتحدث في هذا الموضوع. يوجد مستودعات خاصة تابعة لإدارة الحرب الكيميائية توجد فيها مواد سامة مخرجة من القتال، وعلى المستوى الإستراتيجي، كما أن هناك مواد تابعة لإدارة مدير المخابرات الجوية لا أعرف عنها كثيرا، وأنا سأتحدث ضمن عملي.

المخابرات الجوية هي التي لها علاقة بكافة مراكز البحوث العلمية، ومعلوماتي محدودة جدا فيها، وأنا أتكلم ضمن اختصاصي وكيفية العمل وكيف يسند إلى العمل باستخدام هذه المادة.

  نريد أن نعرف التركيبة القيادية المسؤولة عن السلاح الكيمياوي؟

- ذكرت أن هناك مدير إدارة ورؤساء أفرع ميدانيين تابعين له في الفرق البرية، وهؤلاء تابعون لمدير الإدارة إداريا، أما قتاليا فنحن نتبع مباشرة لقائد الفرقة أو القائد الميداني المسؤول.

  ما علاقة المخابرات الجوية بهذا الموضوع؟

- لا أريد أن أتدخل في موضوع المخابرات الجوية وما تفعله لأن معلوماتي قليلة جدا في هذا الموضوع، وأنا أتكلم ضمن عملي وكيف أسند إلي العمل وما هو العمل الذي قمت به.

عندما أعطي الأمر لي باستلام هذه المواد، استلمتها وتأكدت أن هذه المادة إذا استخدمتها يمكن أن تؤدي إلى سقوط ضحايا كثر، وأنا لا أريد أن أقف بين يدي ربي ويسألني لماذا فعلت هذا، وهذا سبب انشقاقي.

فاتصلت بقادة الجيش الحر وأعلمتهم أنه أعطي أمر لي باستخدام السلاح الكيميائي ولكنني لم استخدمه نهائيا، وطلبت منهم أن لا يخشوا شيئا، لأنني الوحيد المخول بتنفيذ هكذا أمر.

لقد قمت بطمر هذه المواد في مكان محدد، لو شاءت لجنة التحقيق الدولية فيمكن أن أحدد لها المكان عبر "غوغل إيرث" أو أدلهم عليه للتفتيش ضمن حفر فردية. وتوجد دلائل على هذا الكلام بوجود الكربون والكلور حتى الأوكسجين المتطاير في الهواء وبعض المواد المائية التي بقي لها أثر في التربة.

بعد أن طمرت المادة قمت بأخذ العبوة، وهي سلة من الألمنيوم مغطاة بإحكام. اختبرت القناع الواقي، وقمت بطمرها في حفرة، وغسلنا العبوة أنا وبعض الناس الذي كانوا معي، ووضعت فيها ماء الجاغيل وهذا يستخدم لتعقيم المغاسل. وهو مادة من الكلور مزعجة قليلا، وقمت أمام ضباطي بجلب أسطوانة اسمها (باد 5) معروفة لدى الروس استعملت منها عشرين لترا، وأضفت لها الخمس لتر من ماء الجاغيل التي اشتريتها من حسابي الخاص، ووضعتها ضمن جهاز (الباد 5) وأضفت عليه كمية من الماء حتى لا يكون مزعجا.

وطلبت من الضباط أن لا يحضروا معي التركيبة كونها مزعجة وأنا ألبس القناع، وأن أقوم أنا بذلك في غرف غاز خاصة، فاقتنع الضباط الذين شاركوني بالأمر، وهم: المقدم باسل سليمان والنقيب وسام دويري، وكانوا مشتركين معي في استلام هذا السلاح ومقتنعين بأنني استخدام هذا السلاح. وكان معي عناصر وجنود كثر، وكنت حريصاً على إقناعهم حتى لا ترفع في تقارير، وأنت تعرف ماذا يعني رفع تقارير في سوريا.

بعد خلط المادة قمنا بأخذ الجهاز (باد 5) وفتح الحنفية عكس اتجاه الريح، وفي اتجاه منطقة الحراك وبصر الحرير، وحتى الآن بعض هذه المناطق فيها سكان وجيش حر، واستخدام هذه المواد يضر بالسكان والجيش الحر.

وقام الضباط المرؤوسين بفتح هذه الأسطوانة غير السامة -والتي يظنون أنها سامة- وهم يلبسون الأقنعة الواقية مع مجموعة من الضباط والعرفاء والجنود باستخدام هذه المواد في شهر أكتوبر/تشرين الأول في الشيخ مسكين، وفي الحراك قبل نهاية شهر ديسمبر/كانون الأول بعد هجوم كاسح على الحراك.

اقتنعت أن هذا النظام سوف ينتقل للمرحلة الثالثة كوني أنا استخدمت المرحلة الثانية، والمرة الثالثة لا يمكن لرئيس فرع أن يستخدمها بقراره، وهذه موجودة ضمن خزانات خاصة ولها رؤوس متفجرة خاصة تركب على طائرات وحوامات قتالية، ومنها بقذائف مدفعية خاصة مجهزة مسبقاً بالمواد السامة، ولها خطوط وعلامات معينة يعرفها قائد الوحدة أو قائد الكتيبة المنفذ بأن هذه تحتوي على مواد سامة.

أما السلاح الثنائي فهو عبارة عن قذيفتين مدفعيتين مختلفين عن بعضهما، واحدة لا تحتوي مواد سامة والأخرى فيها مواد سامة، ولكن عند التقائهما في نقطة معينة -مثلا كتيبة ترمي في منطقة معينة وكتيبة ترمي من اتجاه آخر- يمكن لهذه الرمايات أن تتشابك وتلتصق ببعضها بعضا، وهذه المادة غير سامة أبدا ولا تؤثر على الطاقم ولكن اتحادها في منطقة واحدة يشكل سحابات سامة تؤثر على السكان بشكل كامل، مثل غاز الخردل.

  هل استخدمت هذه؟

-نعم استخدمت، بدليل الآثار التي نراها على المصابين، فمادة الخردل عندما تصيب الجلد تحدث ما يشبه الحساسية، ولكن بعد أن تحدث عملية الامتصاص في الخلايا تصبح هناك تقرحات تشبه الحروق.

وكل تقرح يحتوي على مادة سامة ينتشر إلى باقي أعضاء الجسم، ثم هذه التقرحات تدافع عنها الكريات البيضاء الموجودة في الجسم، والكريات البيضاء تدافع عن المادة السامة التي دخلت إلى الجسم، وبالتالي تفقده المناعة نهائياً مما يؤدي إلى الوفاة.

غاز الخردل يؤدي إلى تقرحات جسدية في الجسم غير الجروح تصبح مقيحة جدا، وهذا التقيح يفرز مادة أخرى لأعضاء الجسم الأخرى، فممكن أن تنتقل من عضو إلى عضو آخر.

وهذه المادة استخدمت في منطقة دير بعلبة، وشاهدنا المصابين وشاهدنا المادة السامة من نوع السارين التي تم استخدامها في منطقة العتيبي، وهذه مادة سامة عصبية، والإنسان عندما يتلقاها في البداية عبر الاستنشاق فأول ما يتأثر هو العينان، ويؤدي إلى تضيق حدقية العينين، ثم تنتقل إلى مرحلة أخرى هي مرحلة الغثيان والشعور بدوار في الرأس ثم الرجفان ثم تعطل جهاز التنفس، مما يؤدي إلى الشلل ثم الموت.

تمكن النظام من حرق بعض جثث المصابين حتى يخفي آثار الجريمة التي ارتكبها، ولكن علمت أن الجيش الحر الموجود في درعا تمكن من الحصول على عينات من التربة ومن الملابس والاحتفاظ ببعض الجثث الموجودة في البرادات يمكن لأي لجنة تحقيق أن تذهب وتستطلع ذلك.

برأيي أن رفض النظام استقبال المبعوثين الدوليين للتحقيق في استخدامه أو عدم استخدام السلاح الكيمياوي هو دليل على أنه استخدمه، لأنه لو لم يستخدمه فسيسمح للجنة أن تحضر.

أما استعداد النظام لقبول لجنة تحقيق روسية أمر غير مقبول، لأن روسيا هي التي قتلت أبناءنا ولا نقول عنها شريك فقط بل هي من صلب مرتكبي الجرائم، ولا أستبعد أن يقول النظام بأنه يقبل بلجنة تحقيق إيرانية، كيف لقاتل أن يحقق في جريمة قتل.

أما اتهام المعارضة باستخدام المواد السامة المميتة فهو غير ممكن إطلاقا، فبمجرد تلقي المادة عن طريق عملية الشهيق والزفير ثلاث مرات فقط، فإن ذلك يكون كافيا للقتل ضمن منطقة التلوث.

ولا يمكن للمعارضة أن تستخدم المواد السامة المميتة من السارين أو غاز الخردل لأنها لا تملك وسائل استخدامها، فهي لا تملك طائرات لأن الأسلحة القاتلة تستخدم فقط عن طريق الطائرات والمدفعية والصواريخ البالستية.

 ألم تكن هذه موجودة عندكم؟

- كان عندنا راجمات ومدفعية وكل شيء، وإذا استمرت الثورة شهرا أو شهرين فإن النظام سيستخدم كل شيء، لأنه لا يوجد عنده شيء محرم.

 هل كنت أنت المسؤول عن المدفعية؟

- لست المسؤول، ولكن عندما تكون هذه الذخائر تحتوي على أسلحة كيميائية أو مواد سامة حتما سأكون مسؤولا عن الذخائر.

ولم تأتِ أي ذخائر مدفعية مميتة للفرقة الخامسة لاستخدامها، فقط كان لدينا المخرجة من القتال، وأعطي الأمر لي واستخدمتها عن طريق جهاز (باد 5).

  هل اتصلت بك أي جهة من الأميركان أو غيرهم؟

- أنا لم تتصل بي أي جهة نهائيا، ولا أقبل نهائياً أن أتواصل مع هذه الجهات، ولن أدلي بأي تصريح أو معلومات، أنا فقط أعلمك بما قمت فيه، وهذا كان أحد أسباب انشقاقي.

ولا تتصور إنسانا له 32 سنة في الجيش يستغني عن زملائه وأصدقائه ومحبيه، لكنني أيقنت أن هذا النظام سوف يبيد الشعب بكامله ليحافظ على بشار الأسد، حتى أنني خسرت إخوتي واتهموني بأنني خائن وأنني أخذت من قطر 15 مليون ليرة سورية، وتقاول علي الأقرباء بكلام غير صحيح نهائياً.

  حتى الآن لم تتصل بك أي جهة تحقيق دولية، كيف تفسر ذلك؟

- العالم لا يريد أن يعرف الحقيقة، وأتمنى أن لا يتصلوا بي. كل العالم لا يريد الحقيقة.

  هل ستتعاون مع أي تحقيق دولي إن حصل، وهل لديك من المعلومات ما لا تريد أن تكشفه لوسائل الإعلام ويمكن أن تعطيها للتحقيق الدولي؟

- أنا رئيس فرع كيمياء لا أملك أي معلومات، أنا أقول ما جرى معي، ولا أقول أنني أعرف كل الأمكنة وكل شيء. أنا أعلم ما هو العمل الذي قمت به، ويعرف قادتي الموجودون في قيادة الفرقة الخامسة ونوابهم ورؤسائي أنني صادق. وأنا خرجت حتى لا أرتكب دما ولا يكون هناك ضحية أمام الله أقف أمامها، والمواد السامة التي استلمتها كانت ستقضي على الشعب.

المصدر : الجزيرة