أطفال في مخيم الجلزون حيث تعيش مئات العائلات تحت خطر الفقر (الجزيرة)

ميرفت صادق-رام الله

من بلدة الدوايمة المدمرة عام 1948، جاءت عائلة النجار إلى مخيم الجلزون للاجئين الفلسطينيين قرب رام الله بالضفة الغربية، وهناك صارت من أكبر عائلات المخيم وتناقلت رواية المجزرة التي ذُبح فيها العشرات من أهلها بصمت إبان النكبة.
 
وأثناء سيره من زقاق إلى آخر في حارة الدوايمة، ينقل الشاب محمد النجار (22 عاما) مأساة اللجوء مختلطة بواقع النكبة التي يراها مستمرة في مخيم فقير ومكتظ بالبناء والسكان والبطالة ولا أفق لحياة طبيعية فيه.
 
يقول النجار إن المجزرة التي شهدتها قريته عام 1948 جرى طمسها والتغطية عليها، لأن العصابات الصهيونية قتلت الناس بعد لجوئهم إلى مسجد القرية ولم ترد أن تواجَه بصراع ديني.

الحاجة أم عادل واحدة من الباقين القليلين من جيل النكبة، تروي ما تتذكره عن اللجوء بعد المجزرة إلى بلدة حلحول جنوب الخليل بعد طردهم من الدوايمة، ومكوثهم ثلاث سنوات هناك، ثم الانتقال إلى أريحا حيث تزوجت بعد عشر سنوات وجاءت مع عائلتها إلى مخيم الجلزون لتعيش قرب أقاربها المهجرين.

وفي المخيم، تمكنت عائلة أم عادل (67 عاما) ومعها زوجها وأطفالها الخمسة من تأمين بيت من غرفتين بنتهما وكالة الأونروا وغرفة أخرى من الصفيح. وزادت عائلتها إلى عشرة أبناء كبروا وتزوجوا واعتقلوا مرارا في سجون الاحتلال.
 
تقول "قتل في قريتنا العشرات بينهم عمي عبد الذيب لأنه رفض المغادرة.. جاؤوا يوم جمعة واحتلوا البلد، فهرب الناس تحت الرصاص إلى المغاور المجاورة للقرية فلاحقوهم وقتلوهم هناك، ثم في المسجد حيث قتل 75 فورا".

النجار يعبر عن مخاوف الناس من توطينهم
(الجزيرة)

وتتفق الحاجة حمدية خضر من قرية قبيبة ابن عواد المجاورة للدوايمة مع رواية أم عادل، لكنها تضيف كيفية تعرض نساء القريتين للاغتصاب والقتل.
 
وتتذكر حمدية كيف سُبيت أيضا نساء أخريات -ومن بينهن اثنتان من بنات عمّها- إلى مستعمرات قريبة، وهناك قتلن أو اعتدي عليهن.
 
وقالت "كانوا يدخلون البيوت ويجمعون من تعجبهم من الفتيات ويضعوهن في سيارات وتغيب أخبارهن.. قمت يومها بدهن وجهي بالرماد كي لا يشملني ذلك، فنجوت".
 
وبالنسبة للمرأتين ليس في المخيم ما يغري بالبقاء، لكنهما تقولان "كل الأشياء بعيدا عن بلادنا سواء"، ثم تضيف أم عادل أن أولادها منذ سنوات اضطروا للخروج والبحث عن مسكن خارج المخيم بسبب الاكتظاظ وعدم توفر مساكن.
 
المساحة ذاتها
وأنشئ مخيم الجلزون للاجئين الفلسطينيين عام 1949 بواسطة وزارة الإعمار الأردنية، وأشرف عليه الصليب الأحمر الدولي، حتى أنشئت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) عام 1951، وإليه توافد لاجئون من 36 قرية ومدينة مدمرة، على رأسها اللد والرملة ويافا وبئر السبع.
 
يقول المسؤول في اللجنة الشعبية بمخيم الجلزون محمد عرار إن المخيم الذي أقيم على مساحة لا تتجاوز كيلومترا مربعا بعد النكبة، ما زال بنفس الحيز رغم تضاعف عدد سكانه، مما خلف حالة اكتظاظ شديدة بعدما زاد عدد لاجئيه عن 13 ألفا.
 
ويضيف عرار أن وكالة الأونروا التي أسندت إليها إعانة اللاجئين الفلسطينيين لم تعد تقدم حتى الحدود الدنيا للمعيشة، ولا يملك نسبة كبيرة من اللاجئين هنا ثمن العلاج، كما لا يحظون بامتيازات الضمان الاجتماعي. 

الحاجة حمدية خضر لاجئة بمخيم الجلزون
(الجزيرة)

وأظهرت دراسة حديثة عن المخيم وقوع 800 عائلة من أصل 1500 مسجلة لدى الأونروا تحت خط الفقر، كما فاقت معدلات البطالة 42% في أوساط الشباب و89% بين النساء. لكن اللجنة الشعبية للمخيم تقول إن عدد العائلات غير المسجلة يتجاوز الألف، ومعظمها فقيرة.
 
ولا يبعد مخيم الجلزون عن مدينة رام الله سوى مسافة خمسة كيلومترات، وتحيط به أرقى ضواحي المدينة وقراها مثل بيرزيت وجفنا، ويلاحظ الناس في المخيم البائس الفارق الكبير مع محيطهم.

محرومون
يقول الشاب محمد النجار الذي سينهي دراسته الجامعية في الحقوق هذا العام، "نحن محرومون من أدنى حقوق الإنسان العادية.. لا توجد حياة خاصة في بيوت متلاصقة والضجيج يلفها من كل جهة". ثم يضيف "لم يعد لنا مكان في هذا الحيز المحدود سوى السماء..".
 
وينكب النجار على إعداد بحث تخرجه عن الوضع القانوني للاجئين بعد قبول فلسطين دولة غير عضو في الأمم المتحدة.
 
ويريد من خلال بحثه القول إن اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات أصبحوا يواجهون مشروعا لتوطينهم في "دولة ليست على أراضيهم"، ويقول "يريدون لنا هذه الدولة وطنا، بينما أراضينا ووطننا بعيدة عنا كيلومترات قليلة".

المصدر : الجزيرة